في ظل المعاناة النفسية المتفاقمة.. غزة تستعد لإنشاء أكبر مستشفى طب نفسي

غزة - محمود البزم - صفا

تتفاقم المعاناة النفسية للمواطنين في قطاع غزة، الذي بات 70 بالمائة من سكانه بحاجة ملحة إلى برامج دعم نفسي، بفعل الضغوط المتراكمة الناجمة عن الحصار والعدوان المتكرر، وفق مختصين.

هذه الحاجة دفعت وزارة الصحة بغزة للتحضير لإنشاء المستشفى الأكبر من نوعه للصحة النفسية في القطاع تحت اسم "أمان فلسطين".

وتقدر مساحة المستشفى الذي يقع قرب فندق المتحف غربي مدينة غزة بنحو 13 دونمًا بتكلفة تبلغ قرابة 3 ملايين دولار، بحسب مدير عام الصحة النفسية في وزارة الصحة بغزة جميل سليمان.

ويقول سليمان لمراسل وكالة "صفا": إنه جرى وضع حجر الأساس للمستشفى المدعوم من "مؤسسة أمان ماليزيا الخيرية"، وبدأنا العمل بتسوية الأرض التي سيقام عليها تمهيدًا لبدء البناء.

ومن المتوقع أن يبدأ البناء خلال شهر ونصف، على أن ينتهي تجهيزه وافتتاحه منتصف عام 2023، وفق المسؤول.

ويوضح سليمان أن المستشفى سيخدم جميع سكان قطاع غزة بكافة الأعمار، وسيوفر برامج دعم نفسي، بخلاف العلاج الذي سيقدم لمن يعانون اضطرابًا أو أمراضًا نفسية.

ويقدر المسؤول أن نسبة 70 بالمائة من سكان القطاع (نحو مليون ونصف نسمة) يحتاجون برامج دعم نفسي، موضحًا أن ارتفاع هذه النسبة جاء بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والضغوط الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن الحصار المستمر منذ 2005.

وسيتم العمل بالمستشفى عبر مرحلتين، أولى تشمل تجهيز 60 سريرًا، وثانية تستهدف الوصول إلى 120 سريرًا، تخصص لعلاج المرضى النفسيين.

وجاءت الحاجة إلى المستشفى- بحسب سليمان- جراء افتقار القطاع لتغطية الحاجة المتزايدة لمن يحتاجون دعما أو علاجا نفسيا خلال السنوات الأخيرة.

ويشير إلى أن "مستشفى غزة الطب النفسي" في حي النصر سعته محدودة، ولا يستطيع تغطية هذه الحاجة، وهو قديم ومتهالك، لافتًا إلى أن مستشفى "أمان فلسطين" سيضم معدات حديثة وأكثر تطورًا.

وبحسب تقرير أممي، فإن 9 من بين كل 10 أطفال بغزة باتوا يعانون من صدمة ما بعد النزاع، بفعل تكرار الحروب على القطاع.

حاجة ملحة

ويعتقد أستاذ علم النفس درداح الشاعر أن حاجة سكان القطاع للدعم النفسي أكثر من ملحة، بسبب الآثار الصعبة التي تركها العدوان الإسرائيلي والحصار على نفسياتهم.

ويوضح الشاعر في حديثه لـ"صفا" أن الحالة النفسية لأكثر من 2 مليون فلسطيني من الناحية الطبية النفسية هي قسمان.

القسم الأول، بحسب الشاعر يحتاج إلى أشكال من العلاج الخفيفة المتمثلة في الدعم والإرشاد النفسي.

بينما الآخر، يحتاج إلى معالجة نفسية معمقة لأن المرضى في هذه الحالة يكون لديهم بعض الاضطرابات سواء على مستوى التفكير أو السلوك، وبالتالي يكونون في أمسّ الحاجة إلى برامج دعم نفسي وإلى مستشفى أمراض نفسية.

ويشير الشاعر إلى أن هناك اضطرابات خفيفة تصيب الوجدان وهي عادة يعاني منها الجميع حتى في الظروف العادية، كالشعور بالضيق والتوتر النفسي لفترة محدودة، وهذه لا تحتاج إلا إلى أن تذهب للمستشفى للاستشارة والمتابعة فقط.

ويضيف أن "هناك اضطرابات قوية تصيب التفكير والإدراك ويكون الإنسان غير قادر على التعامل مع الواقع كما هو، وبالتالي تحتاج إلى أن تكون نزيلة بمستشفى لفترة زمنية قد تمتد لسنوات".

ويحذر الشاعر من خطورة عدم متابعة الحالة النفسية، موضحًا أن إهمال الدعم النفسي سيحول الاضطرابات الخفيفة التي تصيب الوجدان والانفعال إلى اضطرابات تؤثر على مستوى الإدراك والتفكير، وبالتالي يتحول الإنسان إلى عدو للمجتمع لأننا لا نستطيع التنبؤ بأفكاره ومسلكياته.

ويؤكد المختص أن اضطراب الحالة النفسية لدى الإنسان يؤثر على حالته الجسمية وتوافقه وإنجازه وعمله.

ويبين أن الأمراض النفسية شأنها شأن الأمراض الجسدية إن ذهبنا لعلاجها يساهم ذلك في سرعة التخلص منها، ولكن إن تأخرنا استفحل المرض واستعصى على العلاج.

ويتابع الشاعر أن الإنسان عندما يكون في حالة لا يدرك فيها ما يدور حوله، يحتاج حينها إلى علاج كيميائي بالإضافة إلى العلاج النفسي.

مسببان رئيسيان

ويقول المختص في علم النفس: إن "الواقع الاقتصادي المؤلم والحصار المتواصل يجعل الفرد بغزة في حالة من الاحتراق النفسي".

ويضيف أن" أسوأ حالة يعيشها الإنسان هو أن يفقد عمله، فتتحول الكثير من متطلبات الحياة إلى ضاغط على الحالة النفسية، وبالتالي إن لم يجد الإنسان دعما نفسيا يخفف الاحتقان لديه سيتحول ذلك إلى اضطراب قد يدفعه إلى افتعال مشاكل أو اقتراف جرائم".

ويشير الشاعر إلى أن العدوان والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على القطاع فاقمت من المعاناة النفسية لدى السكان، خاصة فئتي الأطفال والنساء.

ويرى الشاعر أن وجود مستشفى واحد في قطاع لعلاج الحالة النفسية وتقديم الدعم للسكان لا يكفي، ولكن بناء المستشفى بالحجم المخطط له خطوة إلى الأمام، وقد تتبعها خطوات لاحقة.

ويضيف أن القطاع يضم العديد من مؤسسات القطاع المدني التي تقدم برامج الدعم النفسي للسكان، ومع هذا المستشفى الحكومي يتحقق إنجاز جزئي للواقع الصحي.

ويعاني قطاع غزة ظروف اقتصادية صعبة بفعل الحصار أثرت سلبا على حياة سكانه، فقد تجاوزت نسبة البطالة فيه 45 بالمائة، وفق آخر تقرير أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

م ز/م ت/ط ع

/ تعليق عبر الفيس بوك