web site counter

الاحتلال يُقيّد "أسطول البحر"

غزة - أكرم الشافعي - صفا

عبثًا يحاول الصياد حسن الهبيل بيديه الضعيفتين إزالة الصدأ الذي غطى الأعمدة الحديدة لـ"أسطول البحر"، وهو مركب كبير كان يعتاش من العمل عليه هو وزملاؤه البحارة منذ 18 عامًا.

وفي يوم ممطر قبيل دخول عاصفة هبّت في الساعات الأخيرة من عام 2021، توجه "أبو علي" برفقة أخيه الأكبر الصياد خالد الهبيل "أبو أدهم" لتفقد مركبهم الراسي في ميناء غزة منذ سنوات؛ بسبب منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إدخال ناقل حركة للمركب "جير" بالإضافة لبعض مستلزمات الصيانة.

ويقول "أبو علي" إن "لنش الجر"، الذي يبلغ طوله 20 مترًا، كان يوفر قوت يوم أكثر من 20 صيادًا يعيلون نحو 200 شخص، عدا عن نحو 100 آخرين يعتاشون من خلفهم بمهن ملحقة.

ويستفيد من قطاع الصيد في غزة نحو 10 آلاف شخص، بينهم 4000 صياد مُسجلون في نقابة الصيادين، يُعيلون نحو 50 ألف شخص.

وبوجه تتملك تقاسيمه الحسرة، وملابس تبدو على صاحبها قسوة الحياة وضيق الحال، يضيف "تعطل ناقل الحركة بالمركب منذ ثلاث سنوات ونصف وأصبحنا دون عمل، وبات ما يزيد عن 300 فرد دون مصدر رزق".

ومنذ تعطَّل "أسطول البحر" وهو يرسو في مكانه بميناء غزة، وتتناوب عليه عوامل التعرية والأجواء العاصفة حتى تآكل؛ فأصبح يحتاج صيانة بنحو 50 إلى 80 ألف دولار أمريكي، وفق الصياد.

ولا يسمح الوضع الحالي للصياد بصيانة المركب وإعادته للعمل؛ فمن جهة تمنع سلطات الاحتلال دخول ناقل الحركة للقطاع كنوع من العقاب الجماعي ضمن سياسة الحصار المستمر لأكثر من 15 عامًا، ومن جهة أخرى أصبح "من المستحيل" تحمّل ملاكه نفقات صيانته بعد أن وصلت أوضاعهم المادية إلى حد "الدَين".

وصل الحد بمُلاك المركب إلى التوجه للجمعيات الخيرية، وأصبحوا يعتمدون في معيشتهم على المساعدات العينية والنقدية، ومنهم من توجه للعمل على مركب آخر كـ"صياد أجير".

وبكثير من القهر، يصف الصياد مركبه: "أصبح بحالة مزرية؛ فالأخشاب تآكلت، وذابت مادة الفيبر غلاس التي تغطيها، فيما أكل الصدأ أعمدة المركب، وكذلك الحال المعدات والشباك".

"أسطول البحر"

بعد إفطار متواضع على ظهر مركب مجاور يسير الصياد خالد الهبيل الأخ الأكبر لـ"أبو علي" بخطى متثاقلة نحو مركبه، ويُمنّي نفسه بلحظة تُسعف فيه الأمل بعودة المركب للحياة من جديد.

لم يختلف الوضع كثيرًا مع "أبو أدهم " خلال حديثه عن مشروعهم المُعطّل، "فهذا المركب الذي كلّفنا 150 ألف دولار عام 2003 لا زلنا ندفع أقساط ديونه حتى اليوم".

"اليوم نحتاج إلى 350 ألف دولار إذا فكرنا ببناء مركب آخر، وهذا مستحيل بسبب قائمة المنع الإسرائيلي والأوضاع الاقتصادية الصعبة" يضيف خالد.

وتسببت محاولات صيانة ناقل الحركة في المركب بتراكم ديون بنحو 15 ألف دولار على مُلاكه، وفق قولهم، لكن رافق ذلك "الكثير من اليأس" من إعادته للعمل.

تُرك "أسطول البحر" في مكانه يتآكل ببطء؛ فالاحتلال أعد قائمة طويلة من الممنوعات، تشمل عديد المستلزمات لقطاع الصيد البحري، ومن ضمنها نواقل الحركة وماكينات الجر ومادة "الفيبر غلاس".

"لماذا هذا المنع؟" يتساءل الصياد الهبيل، لكنه في سبيل محاولة إعادة الحياة لمركبه "لم يترك باب مؤسسة دولية أو محلية إلا وطرقه؛ لكن جميع محاولاته باءت بالفشل أمام الرفض الإسرائيلي".

وقارب الصيادين الهبيل، الذي يُطلق عليه "أسطول البحر" من فصيلة "لنشات الجَر"، وهي قوارب كبيرة تحمل على متنها أدوات وألواح ثلوج وأضواء وعديد العمال، وتبقى في البحر من يومين حتى أسبوع قبل عودتها بـ"الغلة".

ولم يبقَ في غزة سوى 13 "لنش جر" بسبب سنوات طويلة من الحرب الإسرائيلية على قطاع الصيد، في وقت لا تزيد كفاءة معداتها عن 40%، وفي حال تعطّلت أي معدّة؛ فسيتوقف المركب عن العمل.

ولا يُطالب مُلاك القارب بالكثير، إذ يدعون للضغط على الاحتلال لإدخال معدات الصيد ورفع الحصار عن هذا القطاع، وإنقاذ مركبهم والمراكب المماثلة.

وأقعد المنع الإسرائيلي لأدوات قطاع الصيد، بزعم "الاستخدام المزدوج"، نحو نصف الصيادين عن العمل بعد أن تعطّلت مراكبهم، ولم يجدوا المواد اللازمة لإصلاحها.

ووفق نقابة الصيادين في غزة؛ فإنّ نحو 200 قارب من نوع "حسكة" وخمسة قوارب بمحركات كبيرة (لنشات) معطّلة بسبب عدم إدخال الاحتلال المواد والمعدّات اللازمة لإصلاحها.

والقيود الإسرائيلية على قطاع الصيد في غزة لا تقتصر على منع إدخال المعدات اللازمة للصيانة أو السماح باستيراد قوارب جديدة، لكنها تتعدى إلى مهاجمة الصيادين بالرصاص، وإغلاق البحر أمامهم كإجراء عقابي جماعي، ومنع تسويق صيدهم خارج القطاع.

ط ع/أ ج/أ ش

/ تعليق عبر الفيس بوك