بالفترة 1982-2020

ورقة علمية لمركز الزيتونة تدرس السياسة الأمريكية تجاه القدس

بيروت - صفا

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية تحلِّل مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة وسياساتها منذ عهد رونالد ريجان حتى دونالد ترمب.

وتبرز أهمية هذه الدراسة التي أعدَّها الباحث وائل المبحوح في بيان موقع ما سمي بـ"صفقة ترمب" أو "صفقة القرن" من تلك المواقف والسياسات وتحليلها.

فبعد قطيعةٍ سبعة عقودٍ من السياسة الأميركية نحو القدس، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في 6/12/2017، اعتراف إدارته بالقدس عاصمةً لـ"إسرائيل"، كما وجّه وزارةَ الخارجية لـبدء التحضيرات لنقل السفارة الأميركية من "تل أبيب" إلى القدس.

وكان الكونجرس الأميركي قد تبنّى بأغلبية كبيرة قانون "سفارة القدس" سنة 1995، الذي تنكّر لتاريخ القدس، والسيادة الفلسطينية العربية الإسلامية عليها.

وتضمن القانون ثلاثة بنود، الأول أن تبقى القدس موحدةً غيرَ مجزأة، والثاني يعترف بـ"القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل"، أما البند الثالث فيُلزم الإدارة الأمريكية بنقل سفارتها من "تل أبيب" إلى القدس في أي وقتٍ مناسبٍ.

ورأى الباحث المبحوح أن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً لـ"إسرائيل"، وتنفيذ ذلك على أرض الواقع يهدف إلى تسهيل ممارسة السيادة الإسرائيلية عليها، وإهدار حقّ الفلسطينيين فيها.

وأضاف أنه لا يجوز نقل السيادة على القدس إلى "إسرائيل" كدولة محتلة، ولا يجوز وفقًا للقانون الدولي أن تعترف واشنطن بالمدينة عاصمةً لـ"إسرائيل"؛ بوصفها دولة محتلة تمارس أبشع الانتهاكات الجسيمة ضدّ الشعب الفلسطيني، في كافة الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها شرقي القدس.

وأوضح أن الاعتراف الأمريكي يعني الإبقاء على الوضع الراهن القائم على الاحتلال، والإقرار بضمّ الأراضي بالقوة، وأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يعزز ويدعم السيادة الإسرائيلية على شرقي المدينة، وغربيها؛ بناءً على قرار الكنيست الإسرائيلي بضمّ المدينة، بصفتها العاصمة الأبدية لـ"إسرائيل".

وتابع كما أنه يشرّع من الناحية القانونية ما أقامته "إسرائيل" من سلوك استيطاني في القدس، ويناقض الالتزامات والتأكيدات الصادرة عن جميع الإدارات الأمريكية السابقة.

وأشار إلى أن هذا الفعل الأمريكي يعدُّ مخالفًا لمبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع الإقليمية غير المشروعة؛ وهذا المبدأ يؤكد على جميع دول العالم عدم الاعتراف بأي تصرفٍ مخالفٍ لمبادئ القانون الدولي، وهو التزامٌ على دول العالم بالامتناع عن الاعتراف بأي مكاسبَ إقليميةٍ غير مشروعة.

وبين أن هذا الفعل يخالف الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحول دون تمكينه من حقّ تقرير المصير بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا الموقف يعدّ حالةً من حالات انتهاك قواعد القانون الدولي، كما أنه يفتح الباب أمام دول العالم المساندة لـ"إسرائيل" لاتخاذ قراراتٍ مماثلةٍ لما اتخذته الولايات المتحدة.

وأضاف أن هذا يُعني بكل وضوح إخراج القدس من مفاوضات الحلّ النهائي، وأيضًا السماح لـ"إسرائيل" بإحداث تغييراتٍ على الأرض في المدينة المقدسة، دون حسيب أو رقيب.

وخلص المبحوح إلى جملة نتائج، أولًا: أن القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس يعني منح الاحتلال مزيدًا من الشرعية، والاعتراف بكل ما يقوم به من اعتداءات في المدينة ، وهو ما يؤكد انحياز الإدارة الأمريكية للاحتلال في كل المواقف منذ إنشائه.

ثانيًا: أن السياسة الأمريكية تجاه القدس اتسمت بالانسجام التام مع السياسات الإسرائيلية، بل وبوقوف الولايات المتحدة، دائمًا، موقفًا متصلبًا منحازًا بشكلٍ واضحٍ لـ"إسرائيل"، على الرغم من محاولتها إظهار شيءٍ من التوازن أحياناً.

ثالثًا: أن قرارات مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)؛ المتعلقة بالقضية الفلسطينية بشكل عام، وبمدينة القدس خاصةً، ما تزال حبرًا على ورق فيما يتعلق بتنفيذ "إسرائيل" لهذه القرارات.

وأشار الباحث المبحوح إلى أنه عادةً ما تقوم "إسرائيل" بتفريغ تلك القرارات من مضمونها، متكئة في ذلك إلى الموقف الأمريكي المنحاز دائمًا إلى الرواية الإسرائيلية، بل والمعطل لإصدار قراراتٍ أممية في صالح الفلسطينيين؛ بشأن القدس عبر استخدام حقّ النقض (الفيتو).

واعتبر أن القرار الأمريكي، وإن كان مناقضًا لكل المواثيق، والأعراف الدولية، فإن الحالة الدولية اليوم لا تسمح لأحدٍ بمعارضة أمريكا، وربما تكتفي بعضُ الدول العظمى التي لم تبارك القرار، بالامتناع عن نقل سفارتها فقط، وذلك في أحسن الأحوال.

وذكر أن العرب اليوم–وخصوصًا دول الإقليم–لا يبدون في موقفٍ قوي يسمح لهم برفض نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أو رفض "صفقة القرن" بشكل عام، أو حتى محاولة حشد أطرافٍ دوليةٍ لرفض ذلك.

ولفت إلى أن موقف السلطة الفلسطينية من قرار نقل السفارة كان ضبابيًا، فهي وإن أبدت اعتراضها عليه، فإنها لم تتخذ خطوةً واحدةً تجاه أمريكا وسياساتها في المنطقة، كما لا تتحرك خطوة إيجابية إلى الأمام من أجل إنهاء الانقسام السياسي الفلسطيني، الذي يعزز حدوثه–أعني نهاية الانقسام– من فرص وقوف الفلسطينيين أمام تنفيذ "صفقة القرن" وتداعياتها المستقبلية.

ورأى أنه لا يمكن إغفال أوجه التشابه بين بنود "صفقة ترمب"، فيما يتعلق بالقدس، وبين بنود وثيقة "عباس – بيلين"، فقد أعطت الوثيقتان السيادة التامة لـ"إسرائيل" على كامل حدود المدينة المقدسة الأصلية، ولم تقررا حقوق الفلسطينيين فيها بشكلٍ من الأشكال.

كما رأى في الفعل الأمريكي، بما فيه من انحيازٍ واضحٍ للرؤية الإسرائيلية، يتجاوز أيضًا اتفاق أوسلو 1993؛ الموقع بين منظمة التحرير و"إسرائيل"، وكذلك المعاهدات العربية – الإسرائيلية الأخرى.

واعتبر أن الفلسطينيين ربما يجمعون على أن هذه الخطوة توجه ضربةً مدمرةً لـ"عملية السلام"، لكنهم في الوقت ذاته يبدون مترددين أو حذرين من التعاطي بقوة أكثر، ضدّ السياسة الأمريكية تجاه "عملية السلام" نفسها، أو تجاه مدينة القدس.

وقال: إن "قطاع غزة يبدو كمن يقف وحده في الميدان، فهو الجهةُ الوحيدةُ التي انتفضت، قولًا وعملًا، رفضًا لنقل السفارة، أو لأمور تتعلق بالقدس، رغم ما يعانيه القطاع من أزماتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ، بفعل الحصار المستمر منذ أكثر من 15 عامًا".

وأشار إلى أن "صفقة القرن"، وإن مرّت، فإنها ليست قدرًا حتميًا على الفلسطينيين، لا يمكن تغييره، فقناعة الفلسطينيين تزداد يومًا بعد يوم أن الاحتلال إلى زوال.

وأوضح أن نقل أمريكا سفارتها إلى القدس لا يعني بالضرورة التسليم بذلك الأمر الواقع إلى الأبد، فالظروف تتغير، والقوي لا يبقى قويًا للأبد، وكذلك الضعيف.

ورأى الباحث المبحوح أن الظروف ستبقى مهيأةً أمام أي ردّ فعلٍ فلسطيني في مواجهة تداعيات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وربما تتدحرج الأمور لإعادة تفعيل مسيرات العودة الكبرى، لتصل إلى مواجهاتٍ مباشرةٍ مع الاحتلال في أيّ وقت، وربما تستمر هذه المرة طويلًا.

ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك