بعد أسبوع من الضجة التي أثارتها مصادقة الاحتلال على بناء 3000 وحدة استيطانية، أصدر وزير جيشه بيني غانتس أمرًا بتنفيذ المرحلة الثانية من التسهيلات الاقتصادية والمدنية، ضمن ما يسمى "مبادرات حسن النية".
ويجري الحديث عن سلسلة من الإجراءات تهدف إلى تقوية السلطة بشكل كبير، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة باتت تهدد قدرة السلطة على أداء وظيفتها ارتباطا بالأزمة العالمية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
ومن بين التسهيلات الموافقة على خطط بناء للفلسطينيين في مناطق (ج)، والسماح بلم شمل كشوفات جديدة بعد الموافقة على 4 آلاف اسم سابقًا، وزيادة عدد تصاريح العمال، والتخطيط لبناء محطات وقود بالضفة، وتنفيذ نموذج تجريبي رقمي للضريبة المضافة ما سيزيد من أرباح السلطة.
ويأتي ذلك ترجمة لمخرجات اجتماع غانتس مع الرئيس محمود عباس برام الله في أغسطس الماضي، إذ أعلنت السلطة عن الاتفاق على تسهيلات اقتصادية ومالية عديدة.
وتتزامن هذه التسهيلات مع مشاريع استيطانية ضخمة يجري إقامتها على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتصاعد جهود تهويد القدس، وما يجري فيها من تجريف للمقبرة اليوسفية، وهو ما قضى فعليًا على حل الدولتين الذي تراهن عليه السلطة.
ويرى محللون أن هذه التسهيلات ليست سوى ذرّ الرماد في العيون، للتغطية على تلك المشاريع الاستيطانية، ومن ناحية أخرى لمنع انهيار السلطة.
ويرى المحلل السياسي أحمد رفيق عوض أن هذه التسهيلات تأتي من أجل تجنب الدخول بتسوية سياسية، وفي الوقت نفسه لتخفيف التوتر في الشارع الفلسطيني واحتواء غضبه.
وقال لوكالة "صفا" إن إسرائيل تريد أن تكون هذه التسهيلات وكأنها سقف الحل السياسي.
وبين أن غضب الشارع الفلسطيني متعدد ومتراكم، بسبب تفشي البطالة والفقر وانسداد الأفق السياسي وتصاعد اعتداءات الاحتلال من قتل ومصادرة واستيطان.
وهذا الغضب قد يؤدي لاندلاع انتفاضة جديدة، وهذا ما تخشاه "إسرائيل".
ويعتقد أن من بين ما تهدف له "إسرائيل" هو أن يظهر احتلالها بمظهر إنساني، سيما وأن جزءًا من التسهيلات مرتبط بضغوط أمريكية على الاحتلال.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت أعلن بكل صراحة معارضته للتوصل إلى تسوية وقيام دولة فلسطينية، وهو بذلك يصطدم بالرؤية الأمريكية المعلنة التي تقوم على حل الدولتين.
وأضاف: "إسرائيل تريد التهدئة وأن تظهر بأنها قدمت شيئا للفلسطينيين، وبما أن التسوية السياسية غير ناضجة الآن، فيمكن العمل عل تحسين حياة الفلسطينيين".
وأوضح عوض أن السلطة لا يمكنها رفض هذه التسهيلات، رغم أنها لا تلبي طموحاتها، لأنها تدرك أن "إسرائيل" تتحكم بكل تفاصيل الحياة للفلسطينيين، ولا يمكن تحقيق أي أمر كلمّ الشمل بدون موافقة الاحتلال، بحسب عوض.
ويقول عصام بكر، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، إن التسهيلات ما هي إلا استمرار لذات النهج الذي يحاول من جهة منع انهيار السلطة لأن استمرارها مصلحة للاحتلال، ومنع تحقيق اكتفاء ذاتي أو استقرار اقتصادي من جهة أخرى.
واعتبر أن الاحتلال يهدف للإبقاء على حالة السلطة كما هي، بلا سلطة أو سيادة أو سيطرة على الموارد والحدود، وحصر دورها باعتبارها كيانا تتآكل مكانته أمام شعبه على مستوى الاقتصاد، والأمن، والوضع الداخلي الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، إظهار الاحتلال بوصفه "المنقذ" والمغيث الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
وأشار إلى أن هناك العديد من الإجراءات المشابهة والتي لم تقدم علاجًا شافيًا لمعاناة الشعب الفلسطيني، لأن معاناته ناتجة عن الاحتلال، وهذه هي المشكلة التي على الجميع العمل على معالجتها، وهي سبب كل داء يعيشه الشعب.
وقال: "غانتس الذي يبيع الوهم دوما كعادته بالحديث عن التسهيلات، هو ذاته صاحب نظرية ضرب الفلسطينيين بكل قوة حتى يقبلوا بالحل الإسرائيلي".
وأضاف أن غانتس يحاول أن يحيي الحل الاقتصادي متجاوزًا كل القرارات الدولية، في الوقت الذي يتم إقرار بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، وقضم المزيد من الأرض الفلسطينية.
وأكد خطورة مبادرات "حسن النية" والتسهيلات لأنها تهدف بالأساس لاستدامة واقع الاحتلال وتعميق وجوده كأمر واقع، ومن غير المعقول أن يبقى شعب محتل يعتمد في حل مشاكله على القوة التي تحتله.
