web site counter

"غادرا جسدًا وبصماتهما حاضرة"

"حنظلة" و"بنات".. حكاية ثلث قرن من كتم أصوات المعارضة السياسية

رام الله - خاص صفا

تحل ذكرى اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي في لندن قبل 34 سنة، متزامنة مع استمرار تداعيات اغتيال المعارض السياسي نزار بنات قبل نحو شهر، والذي تتشابه شخصيته الناقدة مع شخصية الشهيد العلي في كثير من جوانبها.

والعلي (51 عامًا) تلقى رصاصةً غادرة في صيف 1987 وبقي على سرير المستشفى أكثر من شهرٍ لحين إعلان استشهاده.

ونزار خليل محمد بنات من سكان بلدة دورا جنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، ناشط سياسي فلسطيني، عمل منذ 7 سنوات في محاربة وفضح الفساد.

يُعد من النشطاء المعروفين على الساحة الفلسطينية، ضد مشروع التسوية، اعتقلته الأجهزة الأمنية ثماني مرات، على خلفية نشاطه ضد الفساد.

ورغم مرور ثُلث قرن على استشهاد العلي؛ إلا أن رسومه الكاريكاتيرية ما زالت تتداول بين مستخدمي مواقع التواصل ويُعاد طبع رسوماته في الصحف العربية إلى اليوم.

وتشتهر رسوماته بإثارة القضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية المتشحة بالألم والشجون العاطفي.

وينتمي الرسام الفقيد إلى قضاء الجليل، إذ أبصر النور هناك قبل 83 عامًا، وانتقل إلى لبنان إثر نكبة 1948، وقضى سنواتٍ في السجون اللبنانية بزعم أنشطته السياسية.

وعام 1963 سافر العلي إلى الكويت، وتلقفته صحيفة "القبس" الكويتية لمدة 11 عامًا يرسم على صحفها اليومية.

وتمكنت عائلته وأصحابه من جمع كتابٍ للعلي بعنوان: "طفل في فلسطين: رسوم ناجي العلي"، حيث قال: "مهمتي التحدث بصوت الناس، شعبي في المخيمات في مصر والجزائر، وباسم العرب البسطاء في المنطقة كلها والذين لا منافذ كثيرة لديهم للتعبير عن وجهة نظرهم".

ويقول معارضو الرسام الفقيد إن رسوماته التي كان يوقعها باسم "حنظلة"، كانت مثيرة للانتقاد لدى الأنظمة العربية الحاكمة، إضافةً إلى بعض القيادات والزعماء الفلسطينيين، من حيث تعاطيهم سلبًا مع القضية الفلسطينية.

وحملت رسومات العلي الكثير من الانتقادات للأنظمة العربية وقيادات فلسطينية عاب عليها طريقة تعاملها مع القضية الفلسطينية. وكان ناجي دائما يوقّع أعماله برسم حنظلة.

وعن حنظلة، فإنها لشخصية وهمية فلسطينية لطفل (10 أعوام) وقد ظهر للمرة الأولى في رسوماته عام 1969 في صحيفة "الجريدة" الكويتية.

وقيل إن شخصية "حنظلة" الرسومية تمثل فترة قاسية في عمر الأوطان، حيث يتطابق عمره وعمر رسامه.

وعلى الرغم من استخدام شخصيات أخرى في رسومات العلي مثل "فاطمة" والجندي الإسرائيلي طويل الأنف، إلا أنها لم تصل لشهرة الطفل "حنظلة".

وقد نجح الرسام ناجي العلي في توظيف فنه الساخر في انتقاد التغيرات السياسية وفضح جرائح الاحتلال لخدمة قضية بلاده.

وفي مقابلةٍ صحفية مع العلي بعيد اجتياح لبنان عام 1982، قال: "كنت في صيدا أثناء الغزو الإسرائيلي، واجهت نفس ما واجهه الناس من رعب وخوف، وعشت أيام القصف وغارات الطيران، ورأيت الدماء والقتلى بأم العين، وبقيت في صيدا لمدة شهر بعد احتلالها، وفي تلك الأيام العصيبة لم أرسم، وحتى لو استطعت فأنا غير قادر على توصيل رسوماتي إلى الصحيفة التي أعمل بها".

ومثّل حنظلة نموذجا مصغرا لمبتكره المغدور، وحفظ بقاءه في وجدان المشغولين بالقضية الفلسطينية، إذ إن عمر حنظلة هو نفسه عمر ناجي العلي عندما غادر فلسطين.

ولم يكن ليكبر حتى يعود ناجي إلى أرض الوطن، حينها فقط كنا سنشهد هذا الصبي يكبر وربما يظهر بوجهه أمام العالم.

اتخذه العليّ بمثابة توقيع له على لوحاته، وحصدت الشخصية ثناء الجماهير العربية، وصارت رمزًا للصمود الفلسطيني.

قال عنه العلي "ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود لفلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء".

وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول: "كتفته بعد حرب أكتوبر1973، لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة بحلول التسوية الأميركية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبعا".

وأسهم هذا الموقف في رسوخ "حنظلة"، معبرًا عن موقف كثيرين حول مستجدات القضية الفلسطينية، فالطفل مقيد اليدين حاضر في كل ما يستجد على ساحتها، فظهر معبرًا عن رفضه لكل ما يحدث من حلول التسوية، الاتفاقيات والأنظمة، سياسات الداخل، وسياسات الخارج.

وقرر ناجي العلي اختراق الحصار المفروض على بيروت حتى وصل إلى جريدة "السفير" التي كان أحد أفرادها في ذلك الوقت، وبدأ في بث الروح المعنوية لدى المدافعين عن بيروت لمقاومة الحصار الذي استمر 3 أشهر.

في هذه الفترة خرجت لوحته الشهيرة «صباح الخير يا بيروت»؛ إذ استخدم حنظلة صاحب الـ10 أعوام، وقدم من خلاله وردة إلى بيروت التي رسمها في شكل فتاة جميلة تخرج من جدار محطم بينما يكسو الحزن عينيها.

كان لناجي العلي مكانة خاصة عند كبار المثقفين والفنانين، إذ قال عنه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "فلسطيني واسع القلب، ضيق المكان، سريع الصراخ، طافح بالطعنات، وفي صمته تحولات المخيم، مفتوح على الساعات القادمة وعلى دبيب النمل وأنين الأرض، يجلس على سر الحرب وفي علاقات الخبز، خرج على العالم باسم البسطاء ومن أجلهم، شاهرا ورقة وقلم رصاص، فصار وقتا للجميع".

الفنان التشكيلي ورسام الكاريكاتير المصري جورج بهجوري فقال عنه: «كان يمشي كما لو كان يقفز إلى أعلى مثل الكنجارو، وكان يفلسف كل شيء أو يحوله إلى سياسة، وأخذ شخصية (حنظلة) من وحي رسمه لنفسه، حيث كان يرسم نفسه مع الكاريكاتير مثل حنظلة، في حجم (ميكي ماوس)، لكنه صنفه كرمز للنضال الفلسطيني، حتى أصبح من أشهر الكاريكاتيرات العالمية".

لحنظلة وجه آخر يمثل الطفل الفلسطيني الذي يمثل عصب القضية الفلسطينية وشعبها، طفل يواجه الاحتلال ويواجه مصاعب الحياة تحت حكم الاحتلال، وسيظل حنظلة حيا في العاشرة من عمره إلى أن يعود الفلسطينيون إلى وطنهم، تنفيذًا لوصية مبتكره ناجي العلي الذي دفن في أرض غريبة بعيدًا عن وطنه.

د م

/ تعليق عبر الفيس بوك