"لا ضوء ولا هواء فقط دخان كثيف، كان يحاصرني ووالدتي أسفل ركام عمارتنا السكنية التي دمرتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على رؤوسنا"، هكذا يصف محمد الكولك 6 ساعات مرعبة قضاها في "الجحيم".
ويستدرك الشاب (24 عامًا) "لكن معيّة الله ثم هاتفي الشخصي كانا سببًا في بقائي ووالدتي المريضة بالسرطان أحياء أسفل ركام عمارتنا المكوّنة من 3 طوابق".
ويضيف لوكالة "صفا"، "عثرت على والدتي بواسطة ضوء الجوال، وتواصلت مع الشرطة للتبليغ بمكاننا وإنقاذنا".
وتسبب صواريخ المقاتلات الإسرائيلية بمجزرةٍ مروّعة في 16 مايو/ أيار الجاري خلال العدوان على غزة، إذ دمّرت 4 عمارات سكنية بشكل كلي فوق رؤوس ساكنيها، في شارع الوحدة وسط مدينة غزة لتوقع نحو 45 شهيدًا و50 جريحًا مدنيًا.
لحظات مرعبة
ويروي الكولك تفاصيل تلك الساعات بألم، قائلاً "في ذلك اليوم الأسود فجر الأحد، لم يستطع أحد من عائلتي النوم جراء القصف الوحشي لطائرات الاحتلال التي لم تتوقف على مدار الساعة".
ويضيف "ما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت انفجار ضخم، لم نُدرك بعد أن القصف طال بنايتنا السكنية، ومع شدة الخوف هربت عائلتي إلى الطابق الأرضي احتماءً من الغارات، لكن المنزل أطبق فوقنا بالكامل، وكأن الأرض ابتلعتنا".
وارتقى في هذا القصف 14 شهيدًا من عائلة الكولك وهم جد وجدة محمد وعمته، ووالده فوزي وشقيقاه وشقيقته وزوجة شقيقه وطفلها وعمه وأبناؤه.
كما طال القصف منزلا مجاورا لأبناء عمومته وتسبب باستشهاد 8 منهم، في مجزرةٍ مروّعة هزت الشارع الفلسطيني والعالم.
وخلال استذكاره تفاصيل المأساة التي وقعت لعائلته غلبت الدموع محمد، قائلاً "كنت أستطيع الخروج من أسفل الركام، لكن والدتي التي سقط عليها "عمود باطون" لم تستطع الخروج، بقيت بجوارها أواسيها وأزيل الركام عنها حتى جاءت فرق الدفاع المدني".
ويضيف "صرخت مرارًا علّ أحدًا يسمعنا ويخرجنا من أسفل الركام، حتى انقطع صوتي وأغمي على والدتي المريضة بالسرطان عدة مرات؛ جراء الدخان الكثيف والمكان الضيق جدًا والعمود الذي ثبّت نصف جسدها".
ويشير الكولك إلى أن الله ألهمه في تلك اللحظات قراءة القرآن ليواسي والدته، بالإضافة إلى دعائه المستمر بحفظها.
وحشية محتل
شقيقه وسيم الكولك، يسكن في بناء مستقل على بعد عدة أمتار من منزل عائلته، يقول: "أي وحشية هذه، أن يتم تدمير حي بأكمله، ثم يعتذرون عن ارتكابهم الخطأ.. أي خطأ هذا؟ فليرجعوا لي عائلتي إذن".
ويصف الكولك، خلال حديثه لوكالة "صفا"، تدمير الاحتلال لجزء من حي الرمال بالجريمة الكبيرة والمجزرة، متسائلاً: "حتى الحيوانات لا يستطيع أحد أن يسلب أرواحها بهذه الطريقة الوحشية؟".
ويضيف "حيّنا آمن، جميع النازحين من شرق غزة وشمالها يأتون إلينا للاحتماء من القصف الإسرائيلي، شقيقي سامح ترك شقته شمال غزة ولجأ إلينا وزوجته وطفله، لكنهم استشهدوا جميعًا".
ويؤكد الكولك أن عدم ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين شجّعهم على ارتكاب مزيد من الجرائم بحق المدنيين الآمنين؛ فيما العالم والمجتمع الدولي صامت على ما يحدث.
وتسببت المجزرة الإسرائيلية بحق بنايتي عائلة الكولك بارتقاء 22 شهيدًا من 10 أسر تتبع لهذه العائلة، منهم 10 أطفال و5 نساء.
ويقول الكولك:" ألهذه الدرجة دماؤنا رخيصة!، رسالتنا إلى العالم أن الاحتلال يجب أن يحاسب في المحاكم الدولية.. كفاكم صمتًا واستهتارًا بأرواحنا".
ويشير إلى أن عائلته كانت في قمة السعادة لتمكّنها من افتتاح محل سوبر ماركت لشقيقيه الخريجين محمد وسامح أسفل العمارة؛ كي يتمكّنا من إعالة نفسيهما، لكن العمارة ذهبت وذهب مشروعهما ووسيلة رزقنا".
وأرغمت المقاومة ومن خلفها صمود شعبنا في قطاع غزة والهبة الشعبية في القدس المحتلة ومدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، الاحتلال على قبول وقفٍ لإطلاق النار قبل فجر الجمعة 21 مايو/ أيار، بعد 11 يوما من العدوان.
وخرج أهالي قطاع غزة بشكل عفوي إلى الشوارع وبين ركام المنازل والأبراج المدمرة، احتفالا بانتهاء العدوان الإسرائيلي وتأكيدًا على نهج المقاومة وما حققته من إنجازات.
واستشهد خلال العدوان الإسرائيلي 253 مواطنًا، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما جُرح نحو ألفين، وفي المقابل قُتل 13 إسرائيليًا جراء صواريخ المقاومة.
