للوهلة الأولى تعتقد أنّ ذلك الرجل الكهل قد جلس لينال قسطًا من الراحة في وقت تزاحم الصائمين المتجوّلين في سوق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، لكن الأمر عكس ذلك تمامًا؛ فالرجل جلس ليمارس مهنة بيع الفلافل وأبناؤه بجواره حول بسطته الرمضانية التي لم يغب عنها منذ أكثر من أربعة عقود.
هكذا بدا مشهد المُسن خليل موسى (75عامًا) من مخيم "كندا" للاجئين بحي تل السلطان غربي رفح، والذي يعتبر أقدم بائعي الفلافل في رفح الواقعة جنوبي قطاع غزة، والتي مارسها قديمًا في مدينة رفح المصرية والمدن الحدودية الأخرى في محافظة شمال سيناء، قبل أن يهاجر للقطاع ويستقر في المخيم المذكور قرب الحدود الفلسطينية المصرية مع آلاف اللاجئين.
ومنذ لجوئه بقي موسى متمسكًا في مهنته، وعامًا وراء عام بدأ نجمه يسطع ويعرفه الكثيرون بطيب طعام، ثمّ أورث مهنته لأبنائه وأحفاده، الذين أجادوا معه صناعة الفلافل والحمص والفول في مخيم "كندا".
سعادة موسمية
وبحلول شهر رمضان المبارك، اعتاد موسى أن ينقل بسطته إلى سوق رفح المركزي، حيث يحظى بشهرة واسعة وسمعة ذائعة الصيت.
"آتى هنا لأنّ الناس تعرفني، وعندما يروني جالسًا يأتون للشراء مني، وكثير من المارة يشيرون بأيديهم قبل التوجه للبسطة قائلين (هي أبو أشرف موجود)؛ فيأتون للسلام عليّ ويشترون"، هكذا تحدّث البائع المسنّ لمراسل "صفا".
وأضاف "صحتي لا تسمح لي بالعمل، لكن أتي وأجلس وأتابع العمل عن قرب، وأحيانًا أقف أساعد أبنائي. أشعر بسعادة أثناء وجودي في السوق، وسعادة أكبر عندما يأتي زبائن متمسكين بالشراء مني ويعرفوني منذ سنوات طويلة".
مستندًا بيدين مرتعشتين على عكازٍ يسنده في مواجهة قسوة الكبر، وبشفتين ترتجفان قبل أن يخرج صوت بالكاد يُسمع ينادي المسنّ موسى قائلًا "فلافل سخنه.. فلافل سخنه".
ولا تفارق البسمة شفتا البائع المسنّ، الذي يتسامر بين الحين والآخر مع بعض من كبار السن من أصدقائه ومعارفه الذين يأتون للجلوس إلى جواره في السوق المركزي برفح.
أمّا أشرف، النجل الأكبر للبائع المسن، فيقول لمراسل "صفا"، إنّهم يأتون "بالحج حتى يبقى سعيدًا والناس سعداء به عندما يرونه، فهو يحب ذلك رغم كبر سنه، فيجب دائمًا أن يأتي للبسطة ويتابع بنفسه العمل".
ويتابع "لقد ورثنا المهنة عن والدي وأصبحنا مشهورين في رفح، وفي سوق رمضان السنوي كذلك، ولدينا محل مركزي في المخيم، والكل يعرف المكانين، ويقصدهما؛ ليقينهم بجودة ومذاق الطعام الذي نقدمه".
