ازدادت أزمة جائحة كورونا استفحالا، وسجلت أعداد الإصابات والوفيات اليومية أرقاما قياسية، واستنفدت المستشفيات كامل طاقتها الاستيعابية، فاستدعت الحاجة لمبادرات خيرية تخفف العبء عن الطواقم الطبية وتمدّ المرضى بأسباب الحياة.
ومع بداية العام الجاري، أطلق تجمع النقابات المهنية بمحافظة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، حملة "أنفاس الحياة" التي استطاعت توفير عدد من الأجهزة الطبية التي يحتاجها مرضى كورونا، وتقديمها لمن يحتاجها على سبيل الإعارة.
وبرزت فكرة توفير الأجهزة الطبية من حاجة الكثير من المرضى للرعاية الصحية المنزلية، بما يغنيهم عن البقاء في المستشفى لفترة طويلة.
ويقول رئيس تجمع النقابات المهنية بنابلس الدكتور سامي حجاوي إن الفكرة جاءت بمبادرة من نقابة المهندسين، وتم عرضها على تجمع النقابات الذي تبناها بدوره.
ويضم تجمع النقابات إلى جانب نقابة المهندسين نقابات الأطباء، والصيادلة، والتمريض، والمحامين، وأطباء الأسنان، والمهندسين الزراعيين، والأطباء البيطريين، والطب المخبري.
ويتم جمع التبرعات من أهل الخير في الوطن والخارج، ومن منتسبي النقابات المهنية، وكذلك من خلال العلاقات الشخصية لمنتسبي تلك النقابات.
ويوضح حجاوي أن الفكرة جاءت شعورا من هذه النقابات بالمسؤولية المجتمعية في ظل الوباء الذي يفتك بالناس، وبعد ارتفاع أعداد المرضى، والضغط الواقع على المستشفيات والحاجة الماسة لأجهزة التنفس.
وتمكنت الحملة حتى الآن من شراء وتوفير 36 جهاز توليد أكسجين سعة 5 ليتر، و22 جهازا سعة 10 ليتر، واسطوانتي أكسجين، و5 أجهزة تبخيرة.
ويقول حجاوي: "جندنا تبرعات إضافية لشراء مجموعة جديدة من الأجهزة، لتلبية الطلب المتزايد".
وتعمل الحملة بشفافية عالية، ويتم شراء الأجهزة بناء على عروض أسعار، وتحصل على عروض خاصة من الموردين الذين يتمتعون بحس وطني، كما يبين حجاوي، الذي يلمس ثقة كبيرة بالحملة خاصة بعد رؤية نتائجها.
والتبرع للحملة غير مشروط بحد أدنى، وتستقبل تبرعات نقدية وعينية.
ولفت إلى أن بعض المرضى المقتدرين ماديا اشتروا أجهزة أكسجين لاستخدامهم الشخصي، وبعد شفائهم تبرعوا بتلك الأجهزة للحملة.
وتستهدف الحملة محافظة نابلس بكافة تجمعاتها السكانية، لكن بعض الطلبات تأتي أحيانا من أبناء المحافظة المقيمين في محافظات أخرى.
وشكر حجاوي أهل الخير في الوطن والخارج والذين لم يبخلوا بتبرعاتهم للحملة، وحتى قبل معرفة بعضهم بطبيعة الحملة.
رعاية طبية منزلية
ويقول المهندس يزن جبر، أحد المبادرين والقائمين على الحملة، أنها هدفت لتخفيف العبء عن المستشفيات من ناحية، وتجنيب الناس التوجه للمستشفيات من جهة أخرى.
ويوضح جبر أن بعض المرضى يتعافون في المستشفى بنسبة 70%، ويمكنهم استكمال العلاج منزليا، ووجود هذه الأجهزة يساعدهم في العودة إلى منازلهم بوقت أقصر، وبالتالي إتاحة سرير بالمستشفى لمريض آخر.
ويبين أنه سبق إطلاق الحملة عمل دؤوب للتحضير وجمع التبرعات من خلال التواصل الشخصي، وتوريد عدد من الأجهزة.
وقال جبر: "فلسفتنا كانت ألا ننطلق قبل أن يكون لدينا عدد من الأجهزة، وبعد توفيرها أطلقنا الحملة وفتحنا باب التبرعات أمام الجميع".
ولم يكن تحديد الأجهزة بشكل عشوائي، بل تم الأخذ بمشورة أعضاء من النقابات المهنية من أطباء وصيادلة ومخبريين وكذلك مهندس مختص بالأجهزة الطبية، لتحديد الأجهزة المطلوبة.
وتوفر الحملة آلية ميسرة تتيح لجميع أهالي محافظة نابلس الاستفادة منها، بناء على تقرير طبي من جهة معتمدة، ودفع رسوم تأمين رمزية مستردة.
ويؤكد جبر أن هذه الأجهزة متاحة لجميع المواطنين بغض النظر عن وضعهم المادي.
وبعد استرجاع الأجهزة من المرضى، يخضع الجهاز لعملية تعقيم حسب البروتوكولات الطبية، ليكون متاحا لاستخدام مريض آخر.
ويبين أن تعاونا وتنسيقا جرى مع جمعية التضامن الخيرية للاستفادة من خبراتها في هذا المجال.
وتتركز أهم الصعوبات التي تواجه الحملة بتذبذب أسعار الأجهزة بسبب الطلب العالمي الكبير عليها.
ويتراوح سعر مولد الأكسجين سعة 5 ليتر بين 2000-2200 شيكل، وسعة 10 ليتر بين 4000-4500 شيكل، وجهاز التبخيرة بين 100-150 شيكلا.
عمل مستدام
وبعد النجاح الذي حققته الحملة، يطمح القائمون عليها للاستفادة منها وتحويلها إلى عمل مستدام.
ويقول حجاوي: "نطمح أن تتحول الحملة بعد زوال الوباء إلى جمعية رسمية مسجلة تحمل نفس الاسم لتخدم المرضى الذين يعانون من مختلف الأمراض".
ويشير إلى أن الأجهزة التي وفرتها الحملة هي أجهزة تنفس، والحاجة إليها لن تنقضي بالقضاء على الوباء، لأن أمراض الجهاز التنفسي لن تنتهي.
من جانبه، يقول جبر إنهم يفكرون بتطوير الحملة لتوفر الرعاية الطبية المنزلية لبعض المرضى بعد مغادرتهم للمستشفى من خلال ممرضين يزورونهم بشكل دوري لرعايتهم ومتابعة علاجهم.
وقد يشمل ذلك توفير أجهزة تصوير أشعة ومختبرات متنقلة لإجراء الفحوصات وأخذ العينات من المريض في البيت.
