"تتكدس" عائلة عبد الكريم أبو لاشين المكونة من عشرة أفراد في منزل من غرفة واحدة لا تتعدى مساحته خمسة وعشرين متراً بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
باب المنزل "الصغير" يفتح على الشارع العام من الغرفة الوحيدة، التي يقع في مقابلها ممر ضيق به مطبخ وحمام، وأفراد الأسرة ينامون ويأكلون ويعيشون في نفس المكان، تحت سقف من "الاسبست" لا يقيهم حر صيف ولا برد شتاء.
"أبو لاشين" (47 عاماً) اشترى المنزل قبل سبعة أعوام في المخيم بعد أن ضاقت أحواله وأصبح بقاءه في منزل بالإيجار "أمراً لا يطيقه" بعد أن أصبح عاطلاً عن العمل ولا يستطيع توفير قوت أسرته الكبيرة.
كان الوضع الاقتصادي للأسرة جيداً نسبياً، حيث أنه كان يعمل في "إسرائيل"، لكنه انضم بعد إغلاق باب العمل هناك إلى "جيش" البطالة، وصولاً إلى بلوغ الأزمة حداً صعباً للغاية في ظل الحصار المفروض على القطاع.
سجن اسمه منزل
تاهت كلمات ترحيب "أبو لاشين" وسط "زحام" ضوضاء أطفاله الذين يحومون في المنزل الأشبه بالسجن، هاربين من الشمس الحارقة، التي لاحقهم لظاها تحت السقف "الأسبستي" وسط رطوبة شديدة.
وقال لوكالة "صفا": "كما ترى بيتي حجرة واحدة ومقابلها مطبخ وحمام ونحن 10 أفراد نعيش في أقل من 25 متراً مربعاً، اشتريتها بعد بيع مصاغ زوجتي هرباً من قسوة الإيجار وضعف الحال الاقتصادية".
ويصف حالته بصوت مختنق مضيفاً:"في الشتاء رطوبة وبرد وفي الصيف رطوبة وحرارة حتى مرضنا كلنا من هذا الجو".
ويعاني عبد الكريم من آلام في ظهره "آلام غضروف" فيما أصيب ابنه البكر خلال اجتياح إسرائيلي قبل عدة أعوام، حيث لا زال يتلقى العلاج.
ويتحدث بحسرة قائلاً :"أنظر إلى ظهري، أنا مريض وانظر إلى ساقي بها بلاتين، حتى ابني أصابه شلل وهو يعالج منذ أصيب من الاحتلال".
وأمسك بأصغر أبنائه كاشفاً عن ظهره وما تركت حرارة الصيف من بثور على جسده الصغير، فيما لا يطيق أفراد العائلة حرارة المنزل الخانقة ما يضطرهم للمبيت في الشارع في حين تهرب البقية طلباً للهواء عند الجيران.
وأضاف: "أنام أنا وأبنائي في الشارع هنا قرب مدخل الحجرة وعندما تصبح الساعة 2 فجرا أنقل الصغار لداخل الحجرة أما بناتي فيضطررن للنوم داخل الحجرة" .
هروب وهموم
كل ما يستطيع "أبو لاشين" فعله أمام مطالب أطفاله - الذين يبحثون عن أبسط حقوقهم- هو الهرب إحساساً بعجزه القسري عن تحقيقها إلى وجهة لا يعرفها، حتى ينتهي به المطاف إلى مسجد قريب أو إلى صاحب يعرفه.
ويتسمّر أمام مطالب أطفاله الصغيرة قائلاً: "لا أستطيع أن ألبي لهم شيئاً إذا طلبوا أي أمر فإنني أشعر أن السكاكين تغرس في جسدي".
وأضاف – فيما يشير إلى المطبخ الذي يكاد يخلو من المتطلبات الأساسية- :"لا يوجد عندي ملح ولا بهارات ولا خضروات..، افتح الثلاجة لن تجد شيئاً".
وتحدث عن موقف يشير إلى مدى تدهور وضعه وعجزه المبكي عن تلبية احتياجات أسرته، قائلاً إن ابنه الأصغر أقبل عليه قبل أيام وهو يحمل قشور بطيخ جلبها من القمامة، فما كان منه إلا أن أجهش بالبكاء هماً على ما وصلت إليه الحال.
وأضاف: "أولادي ماتوا من الحرّ، وانأ أمضي اليوم في الهمّ، فأطفش من البيت وزوجتي تهرب من الجو عند الجيران".
أقصى ما يتمناه عبد الكريم لاشين هو منزل أفضل حالاً من حجرته التي أثقلته بالهموم وألقت بحياته في قعر الفقر، فيما يعلو صوته بمناشدات هنا وهناك ولا تغيير حقيقي على الأرض.
ويتلقى مساعدات من أهل الخير الذين يقوم بعضهم بمساعدته على قدر المستطاع بين الحين والآخر، كما أنه يتسلم معونات من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، فيما فقد مؤخراً نصيبه من مساعدات وزارة الشئون الاجتماعية وهو ما زاد من همومه.
ويضع أبو لاشين في مخيلته كيف سيكون شهر رمضان الذي بدأ يقترب تزامناً مع بدء العام الدراسي الجديد، وهو ما يعني أنه بانتظار هم أكبر يقابله بدعوات من أجل فرج قريب ونهاية لمعاناة لم تظهر ملامحها بعد.
