يرابط في المسجد الأقصى المبارك منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، يصلي ويتجول في ساحاته التي بدأت تتشقق وتنهار بفعل حفريات الاحتلال من تحته.
يزوره بشكل يومي، ويرابط في داخله أو خارج أسواره إذا منعه جنود الاحتلال من دخوله، طامعاً بأن يكون احد أولئك الذين حدث عنهم الرسول صلى الله عليهم قبل 1400 عام حين قال:" لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم قيل أين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
بعد ساعتين من السفر الشاق المتواصل، يصل أبو المعتز من قرية بسمة طبعون في الجليل المحتل عام 1948 إلى مدينة القدس المحتلة، يسير بخطىً ثابتة باتجاه ثالث الحرمين، يحمر وجهه من شدة الغضب والحزن عندما يطالبه الجندي الإسرائيلي بإبراز هويته الشخصية.
يقول أبو المعتز بلهجة حزينة:" يطلب مني الجندي الإسرائيلي إبراز هويتي فإن أراد أدخلني للصلاة في الأقصى، وإن شاء أبعدني عن الأبواب إلى خارج الأسوار، فأظل مرابطا حتى خارج أسواره انظر بتمعن إلى القبة الصفراء المتلألئة تحت أشعة الشمس الحارقة، واصلي ركعتين هناك بألف ركعة في أي مكان آخر".
ويمضى حديث الرجل الحزين لمراسل "صفا" "يبعدوننا عن الأقصى ونحن أصحابه، يحددون أعمار من يستطيع الدخول تارة جيل خمسون عاما وتارة يكون خمسة وخمسون.
وعند إبعاده ومن يرافقه عن مسرى الرسول الكريم، يقوم أبو المعتز بأداء الصلاة خارج أسوار المسجد الأقصى المبارك في الأيام العادية من الأسبوع، وفي يوم الجمعة يؤدي الصلاة خلف إمام يتواجد خارج الأسوار ليؤم المسلمين في الشارع المقابل للمسجد بالقرب من باب العامود.
ورغم المعاناة الشديدة، وأشعة الشمس الحارقة، يبقى أبو المعتز ومن معه من المصلين مرابطين خارج المسجد الحزين بشعور ممزوج ما بين الفرحة والحزن، فهم فرحون لأنهم من المرابطين في بيت المقدس، حزينون على ما آلت إليه قبلة المسلمين الأولى من أوضاع مأساوية بعد أن كانت عاصمة فخرية لدولة الإسلام التي طالت حدوها مشرق العالم ومغربه.
وفي كل يوم يرى أبو المعتز الذي يعمل سائقاً لإحدى حافلات مؤسسة البيارق التي تنقل المصلين بالمجان إلى الأقصى للرباط فيه، أن المسجد الأقصى لن ينتظر كثيرا تحت وطأة الاحتلال، وما زال بصيص الأمل في قلبه بانتظار الفرج القريب.
نحن فلسطينيو 48 كالأسماك فالأقصى في قلوبنا ولا يستطيع أي إنسان أن يبعدنا عنه لأننا لا نستطيع العيش بعد ذلك، بهذه الجملة يقاطع حديثنا صديقه السائق المرابط أبو سليمان.
أبو سليمان يرابط بصحبة أبو المعتز وأصدقاء آخرين منذ عشرات السنين في المسجد الأقصى المبارك، فهو يزوره منذ عام 1987 ليصلي فيه رغم كل الصعوبات والعقبات التي تقف في وجه زائريه.
مبدأ العقيدة الصادقة هو من يقود أبو سليمان من قرية عرعرة في منطقة وادي عارة المحتلة عام 1948 وأصدقائه إلى التوجه للأقصى القابع تحت احتلال غاصب.
منذ سبعة أعوام بدأ أبو سليمان يقل المسافرين من جنوب فلسطين المحتلة وشمالها إلى المسجد الأقصى المبارك يومياً، تعجبه كثرة المصلين وازدياد أعدادهم يوماً بعد يوم.
هؤلاء المصلون يوقنون أيضاً أن لا أحد يستطيع إنقاذ مسجدهم سواهم في ظل غفوة الأمة الإسلامية والعربية العميقة وبعدهم عن المسجد الأسير.
ويقول أبو سليمان بلهجة المنتصر:" عشرات السنين وأنا أزور الأقصى وأرابط فيه، كانت الأوضاع صعبة للغاية وما زالت، ولكن تواجد المصلين المرابطين خللا السنوات الأخيرة هو من جعل الأمل في النصر والتحرير يعود إلى قلبي بعد أن فارقه عشرات السنوات".
فأبو سليمان ومن ضمن عمله يقل المئات من المصلين إلى صلاة الفجر في المسجد الأقصى، يركن حافلته بعيداً عن المسجد وخلف أسواره، ليصل إلى ساحاته مع آذان الفجر حيث يحتشد المئات من سكان القدس والفلسطينيين للوضوء والصلاة.
وتعجبه كثرة المصلين في صلاة الفجر التي أصبحت كصلاة الجمعة من حيث عدد المصلين، الأمر الذي يبعث في قلبه أملاً كاد يخبو، فهو يوقن أن احتشاد مئات المسلمين لأداء صلاة الفجر في ثالث الحرمين الشريفين هو الطريق نحو النصر والتحرير.
وللرباط في المسجد الأقصى المبارك ثمنه، فهؤلاء المصلين المرابطين يتعرضون لضغوطات كثيرة من قبل الاحتلال، فإما السجن بلا سبب أو التحقيق لساعات بذرائع مختلفة.
ورغم العقبات والقيود التي يضعها الاحتلال على زوار المسجد الأقصى؛ إلا أن أعداد زائريه تزداد يوما بعد يوم.
ويعود الفضل في ذلك حسب أبو سيلمان وأبو المعتز إلى مؤسسة البيارق التابعة للحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة والتي تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة لنقل المصلين عبر حافلاتها إلى الصلاة في المسجد الأسير.
وانطلقت مؤسسة البيارق في مشروعها الضخم عام 2001، بعد سنوات قليلة من إطلاق الشيخ رائد صلاح لعبارته المدوية "الأقصى في خطر".
وعملت المؤسسة منذ يومها الأول على نقل الآلاف من المصلين من جميع المدن والقرى المحتلة عام 1948 إلى الصلاة في المسجد الأقصى لكي لا يبقى الأقصى فارغاً من المصلين الأمر الذي انتهزه المتطرفين اليهود وأصبحوا يدخلون إليه ويدنسون ساحاته.
ولم ينس أبو سليمان التأكيد على أن زوار الأقصى ومرابطيه يدعمون صمود أهل القدس وينعشون اقتصادهم وأسواقهم.
