يعيش أهالي قرية عانين قضاء جنين شمال الضفة الغربية حالة من اليأس بعدما تركهم القريب والبعيد فريسة سهلة لجدار الفصل العنصري الذي التهم 12 ألف دونم تشكل معظم أراضي القرية، ليواجهوا نكبات تلو نكبات، كان آخرها الحريق الذي التهم أراضيهم المصادرة قبل يومين.
الفصل الأخطر من المعركة بين عانين والاحتلال بدأت مع قرار سلطات الاحتلال بناء جدار الفصل العنصري عام 2003، حيث كانت هذه البلدة الوادعة على تلة جميلة الفريسة الأولى للجدار العنصري.
في بادئ الأمر لم يتوقع أهالي عانين أن تكون الهجمة على أراضيهم بهذه الشراسة، وهم يشاهدون جنود الاحتلال يجوبون المنطقة برفقة خبراء في المساحة ويضعون النقاط على الأراضي، ليكتشفوا فجأة أن نحو
بوابة القهر والإذلال
وأقامت سلطات الاحتلال بعد اكتمال بناء الجدار بوابة عليه، ظاهرها السماح للمزارعين من أصحاب الأراضي المصادرة بالدخول والعمل في أراضيهم، وباطنها الحرمان والابتزاز من أجل استغلال المواطنين في لقمة عيشهم.
يقول رئيس مجلس قروي عانين رباح ياسين : إن "الدخول من البوابة يتم من خلال تصاريح تمنحها سلطات الاحتلال ولا تصدر سوى أعداد قليلة منها تشكل في أفضل الأحوال نحو 15 % من التصاريح المطلوبة".
وينبه إلى أن المعاناة تتفاقم خلال موسم قطاف الزيتون واللوزيات عموماً، حيث لا تعطى التصاريح سوى لعدد قليل بينما يحتاج قطاف الزيتون إلى أعداد كبيرة من العمال.
البقر والنار
ويشكو أهالي البلدة كثيراً من رعاة الأبقار الإسرائيليين الذين يستخدمون أراضيهم المصادرة مراعي لهم، مستغلين عدم قدرة المزارعين على اجتياز الجدار.
يقول رئيس نادي شباب عانين أحمد ياسين :"يستغل الرعاة في الجانب الآخر للجدار ليعيثوا فساداً في الأرض، ولا يسلم منهم شيء, وأصعب ما في الأمر أن يقف المزارع في عانين يشاهد الأبقار تلتهم أشجاره التي يبلغ عمر بعضها مئات السنين وهو غير قادر على فعل شيء", مشيراً إلى أن الفعاليات في عانين توجهت بالشكوى لجهات عدة دون جدوى.
وقال ياسين : إن "الـمزارع الذي يعتمد في معيشته على إنتاج آلاف الأطنان من زيت الزيتون، أصبح الآن لا حول له ولا قوة، فقد تقلص الإنتاج إلى أقل من الربع، وأصبحت أراضي الـمزارعين مرتعاً للرعي الجائر الذي ساهم في تدميرها".
وأكد أن هذه الـمشكلة تعتبر من أكبر الـمشاكل التي تؤرقهم، وتتخذها سلطات الاحتلال ذريعة لعدم إصدار تصاريح زراعية لهم، ما يهدد بمحو آثار تلك الـمنطقة لتصبح أرضا قاحلة جرداء لا يستفاد منها.
ولم تكن مشكلة الرعاة سوى قصة واحدة من قصص الظلم الواقع على أهالي عانين، فقبل يومين وفي وقت متأخر من الليل اندلع حريق هائل في الأراضي المعزولة خلف الجدار التهم مئات أشجار الزيتون واللوزيات.
واتهم رباح ياسين سلطات الاحتلال بتعمد التأخير في عملية الإطفاء، فقد وصلت أول سيارة إطفاء بعد ساعة ونصف من اندلاع النيران رغم أن المجلس القروي أجرى فور اندلاع الحريق اتصالات مع جهات عدة بهدف حث سلطات الاحتلال على تسيير سيارات الإطفاء للمكان.
دور الخنازير
ولا يكتفي المستعمرون المحيطون بعانين بإطلاق خنازيرهم على البلدة
الخنازير التي تؤرق العالم مؤخراً بمرض الانفلونزا، شكلت في الشهرين الأخيرين هاجساً كبيراً لسكان البلدة، ليس فقط لإصابة نحو 60 إسرائيلياً بهذا المرض لكن لأن المستعمرون يطلقونها لتهاجم البلدة ولتلحق أضراراً جسيمة بالمزروعات وينابيع المياه.
ويقول أحد المزارعين في القرية : إن "الخنازير أتلفت محاصيل الخضار والحمص والقمح والشعير والأشجار، كما أنها تشرب من نبعي الخروبة وعين الديوك التي تغذي البلدة بالمياه مما يعني أن المكاره الصحية وخطر الإصابة بأمراض معدية وارد جدا".
وأضاف "ليس لنا حيلة تجاهها، لأن استخدام بنادق الصيد ممنوع".
منكوبة بالاسم فقط
ويشكو أهالي القرية من إهمال السلطة الفلسطينية لهم وعدم التفاتها لمعاناتهم، ويقول رئيس النادي الشبابي:"صنفت السلطة عانين منطقة منكوبة منذ بناء الجدار فيها قبل ست سنوات، ولكن ذلك لم ينعكس على مستوى الخدمات التي تقدم للقرية كما هو متعارف عليه في المناطق المنكوبة، فالبنى التحتية مهملة، وحتى الطريق الرئيسي الذي يربط البلدة بمدينة جنين سيء للغاية".
ويضيف أن "الآثار التي أحدثها الجدار أكبر من مجرد مصادرة أراضي، فتربية المواشي تضررت بشكل كبير، لأن المراعي اختفت, فابن عمي كان لديه 200 رأس غنم قبل بناء الجدار، واليوم لديه 20 فقط".
ويستطرد قائلا :"في كل عانين لا يوجد اليوم أكثر من 150 رأس غنم".
تسويق الزيت واستغلال التجار، مشكلة أخرى رافقت بناء الجدار حسب قوله :"فقبل بناء الجدار كان الزيت يسوق في الأراضي المحتلة عام 48 وبأسعار جيدة، أما اليوم فيضطر الأهالي لبيعه لتجار محليين بأسعار متواضعة".
وعن المشاكل الاجتماعية التي رافقت بناء الجدار يقول ياسين :"ازدادت مشاكل الانحراف السلوكي، وانتشرت ظواهر لم تكن معروفة من قبل مثل السرقات، التسيب من المدارس، ضعف التحصيل العلمي".
ويرجع ذلك إلى غياب الأب لفترات طويلة عن المنزل، فالأب مضطر للمبيت لفترات طويلة في الأراضي المحتلة عام 48 للعمل على عكس ما كان الوضع عليه قبل الجدار، فمنازل مدينة أم الفحم كانت ملاصقة لمنازل قرية عانين.
يصرخون بلا مجيب، ويأملون بلا قنوط أن ينصفهم أحد في هذا العالم بعد أن تكالبت عليهم المصائب من كل حدب وصوب. هذا حالهم كما هو حال كثير من القرى الفلسطينية التي أصيبت بلعنة الجدار. فهل من سبيل؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ هـ / م ت/ ع ا
