أجور عمال بغزة تتراوح بين 16 -30 شيكل وإلا "الطرد"

تشغيل العمال لنحو 11 أو 13 ساعة متواصلة وبأجور زهيدة
غزة – أحمد الكباريتي - صفا

ما إن تتوقف في يومٍ حار أمام مقهىً للمرطبات في أحد الشوارع الرئيسة في غزة، حتى تلحظ التناغم السريع ليديَ عبد العزيز، وهي تتنقل بين أوعية الكريمة المثلجة، ليناول عشرات الزبائن، الذين لا يمهلونه فرصةً لتجفيف قطرات عرق جبينه.

"عبد بوظة" كما يحلو لزملاء (عبد العزيز. ش) تلقيبه والذي يعمل في هذا المقهى منذ سنتين، بالكاد يستطيع مواعدتهم للتنزه في آخر الأسبوع ولقائهم في مطعمٍ، لنسيان الإرهاق والتعب الذي يلاقونه في ساعات عملهم الطويلة.

وما يمنع "عبد" (22 عامًا) من الحصول على تلك "النزهة" هو ندرة ما يجنيه يوميًا من عمله الشاق، فلا يتمكن من حسن تقسيمها على نفسه أو عائلته. فكل ما يجنيه يصل لـ 16 شيكل فقط يوميًا، أو 20 في حال عمل لـ10 ساعاتٍ متواصلة.

ويقول لمراسل وكالة "صفا": "العمل مع الثلج والمرطبات ليس أمرًا ممتعًا كما يتصور الآخرون، فالوقوف المستمر وإجابة طلبات مئات الزبائن لـ 10 ساعات متواصلة يُعد مهمةً شاقة".

ويضيف: "أجد نفسي مجبرًا على العمل هنا؛ فـ 15 أو 20 شيكلا يوميًا أفضل من الجلوس في المنزل، فعلى الأقل يمكن أن أقنع نفسي أني عامل وليس عاطل".

عمل عبد العزيز المحفوف بكثير من المشقة، قد يُجنبه من أن يكون واحدًا من نحو 213 ألفًا آخرين لا يجدون عملاً في قطاع غزة، وهم يُمثلون 44% من حجم القوى العاملة، في منطقة تعد الأكثر اكتظاظًا بالسكان على الكوكب.

وعلى الرغم من أن 216 ألف عامل يعملون في القطاع؛ إلا أن 70% منهم من الطبقة الفقيرة، بحسب رئيس اتحاد نقابات عمال فلسطين في غزة سامي العمصي.

أجر لا يكفي

وفي ظروف عملٍ أكثر قسوة من عبد العزيز، يشارك اليوم موسى اصليح الذي يعمل في البناء في خان يونس في وقفةٍ للعمال أمام مجلس الوزراء في ذكرى يوم العمال، وهو واحدُ من نحو 70 ألفًا يعملون في ذات المهنة الإنشائية.

ويقول اصليح (28 عامًا) لمراسل "صفا" إنه يتقاضى نحو 30 شيكلا يوميًا، مبينًا أن ذلك المبلغ لا يكفي لنفقات طعام أو دواء ليومٍ واحد فقط، ويستحيل ادخار أي شيءٍ منه، مضيفا: "الثلاثون أعطيها كاملةً لصاحب البقالة الذي يُمون أسرتي يوميًا".

ويشير إلى أن مجرد التفكير في طلب زيادةٍ من صاحب العمل يعني إنهاء خدماته على الفور أو الرضا بهذا المبلغ، على الرغم من أنه لا يعمل إلا يومين أو ثلاثة أسبوعيًا.

الساعات الطويلة من العمل والتي تتجاوز 12 ساعة يوميًا -وهي مخالفة صريحة لقانون العمل الفلسطيني-لا تعني إلا مزيدًا من الإرهاق الجسدي والاجتماعي لدى اصليح الذي يعيل زوجته وكلتا ابنتيه. ويقول: "لو وصل الأمر إلى أن أتقاضى 10 شواقل فقط فستكون أفضل حالا من أصدقائي العاطلين".

وفي هذا السياق، يقول العمصي إن تشغيل العمال لنحو 11 أو 13 ساعة متواصلة وبأجور زهيدة وتهديدهم بالطرد في حال لم يتم التوافق على الأجر يُمثل استغلالاً بشعًا لهم.

يشار إلى أن الحد الأدنى للأجور يبلغ 1450 شيكلا، وهو نتاج اتفاق بين ممثلي مؤسسات القطاع الخاص المحلية، علمًا أن معدل خط الفقر للسكان يُمثل الذين يقل دخلهم عن 2300 شيكل شهريًا.

ويضيف العمصي أن الأجور المتدنية لم تعد لوحدها تمثلاً خرقًا لحقوق العامل؛ بل إن ظروف وبيئة العمل هي الأخرى تشكل مزيدًا من انتهاك حقوقهم على يد صاحب العمل.

وعود لم تتحقق

ومنذ تولي حكومة الوفاق مسؤولياتها منذ سنتين، لم يتلق العمال طوال تلك الفترة سوى وعودٍ أطلقتها الحكومة على لسان وزير العمل مأمون أبو شهلا، ولم تتحقق أيٌ منها.

لكن الخبير الاقتصادي ماهر الطباع، يؤمن أن الواقع الاقتصادي والحصار على غزة قلل الفرص المتاحة أمام صاحب العمل، ليجبره على اختيار العمال الأقل أجرًا.

ويقول الطباع لـ"صفا" إن حجم الخسائر المتلاحقة لصاحب المنشأة التجارية وما يتكبده من نفقات للمادة الخام ووقود ونفقات تشغيلية يضطره لاختيار الأقل تكلفة بما فيها أجور العاملين.

ويضم قطاع غزة نحو 40 ألف منشأة عمل تُشغل آلاف العمال، لكن هؤلاء لا يخضعون لرقابة سوى 12 باحثًا فقط عينتهم وزار العمل لمراقبة أوضاع أولئك العمال، ما يعني أن كل 18000 عامل يهتم بهم مفتش واحد فقط. بحسب الوزارة.

ويوضح مدير عام التوعية والإرشاد بوزارة العمل شادي حلِس لـ"صفا" أن طواقم الوزارة نفذت 12 ألف زيارة تفتيشية خلال العام الماضي على منشآت العمل.

ورغم أن الوزارة هي الجهة المخولة للدفاع عن حقوق العمال؛ "إلا أنه يتم التغاضي أحيانًا عن بعض المخالفات كساعات العمل والأجور، ما يوقع العامل فريسةً لصاحب العمل، والتي تنتهي بالفصال الودي في حال النزاعات". بحسب حلس.

جوال

/ تعليق عبر الفيس بوك