يرى محللون أن التفاهمات الجديدة بشأن الوضع في المسجد الأقصى المبارك التي تم بلورتها بين الكيان الإسرائيلي والأردن بوساطة وزير الخارجية الأمريكية جون كيري من شأنها تثبيت سيطرة الاحتلال على المسجد وهو ما لا يستجيب للحد الأدنى من مطالب انتفاضة "القدس".
وأعلن كيري التفاهمات المذكورة أمس السبت عقب اجتماعه بشكل منفصل مع الرئيس محمود عباس والملك الأردني عبد الله الثاني بن الحسين في عمان، بعد أن كان اجتمع قبل ذلك بيومين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في برلين.
وتقوم التفاهمات الجديدة على تعهد إسرائيلي ب"السماح للمسلمين بالصلاة في المسجد الأقصى وغير المسلمين بزيارته" مع تركيب كاميرات مراقبة في باحات المسجد وتكثيف الحوارات بين الأوقاف الأردنية والسلطات الإسرائيلية للتنسيق بينهما.
ويعتبر معلقون على ما جرى إعلانه في عمان أن من شأنه تثبيت السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى من خلال منح الاحتلال الحق بالسماح والمنع للمسلمين للصلاة في المسجد وهو ما يعني المساواة بين حق المسلمين للصلاة وحق غير المسلمين للزيارة.
مصلحة إسرائيلية
يرى رئيس دائرة العلوم السياسية في جامعة "بيرزيت" في رام الله سميح حمودة، أن تفاهمات عمان تشكل مصلحة إسرائيلية وهو ما يجعل تأثيرها على أرض الواقع ضعيفا جدا ولن تحقق المأمول أمريكيا وإسرائيليا ومن أطراف عربية بإنهاء "انتفاضة القدس" بهذه السهولة.
ويشير حمودة لوكالة "صفا"، إلى أن تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خاصة في القدس المحتلة، من وقف اقتحامات المستوطنين وجرائمهم ورفع الحصار ووقف الاعتقالات وغيرها على أرض الواقع، هو ما يمكن أن يؤثر في حدة وتيرة الانتفاضة.
وكان تصاعد اقتحام جماعات المستوطنين للمسجد الأقصى بشكل يومي ابتداء من منتصف الشهر الماضي شكل فتيل اشتعال "انتفاضة القدس" المستمرة منذ مطلع الشهر الجاري وما رافقها من عمليات فردية لشبان فلسطينيين ضد الاحتلال ومستوطنيه.
وينبه حمودة إلى أن إعلان نتنياهو أن المسجد الأقصى لا يصلي فيه إلا المسلمين، وما دونهم فقط يزورونه، يمثل إيهاما بحل جزء من المشكلة وليس كل المشكلة، باعتبار أصلا أن دخول المستوطنين للمسجد أمر مرفوض فلسطينيا بشكل مطلق.
وعليه يشدد حمودة على أن أي حل مقبول فلسطينيا على المستوي الشعبي مرهون بوقف السياسة الإسرائيلية خصوصا فيما يتعلق باستباحة دخول المستوطنين للمسجد الأقصى على حساب منع المصلين المسلمين وليس الإعلان عن مجرد تفاهمات لا تغير الواقع شيئا.
وجاء التحرك الأمريكي بعد استشهاد 58 مواطنا وجرح ألاف آخرين مقابل مقتل عشرة إسرائيليين وجرح العشرات منذ مطلع الشهر الجاري وسط ارتباك إسرائيلي هائل فيما يتعلق بمواجهة عمليات الشبان الفردية من طعن ودهس وإطلاق نار.
ستزيد من الاقتحامات
يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم أن تفاهمات عمان المعلنة ما تضمنه من شرعية لدخول غير المسلمين إلى المسجد الأقصى تمثل انتهاكا جديدا لحرمة المسجد وتهدد بزيادة وتيرة اقتحامات المستوطنين لباحاته بدلا من المطلب الفلسطيني بوقفها نهائيا.
ويقول قاسم لوكالة "صفا"، إن الأطراف التي تقف خلف تفاهمات عمان أو الموافقة عليها جميعها تعمل لصالح المصلحة الإسرائيلية وهي تعادي استمرار "انتفاضة القدس" وتريد إنهائها بأسرع وقت.
لكن قاسم يستبعد أن يؤدي ما أعلن عنه في عمان من وقف لانتفاضة القدس بقوله "إن الشباب الفلسطيني ثاروا واستشهدوا في الضفة الغربية والقدس رفضًا لزيارات واقتحامات الأقصى، فهل تتوقع الأطراف السياسية أن يكون هناك ردة فعل سوى الرفض واستمرار الحراك، تجاه هكذا تفاهمات".
وعن مدى التزام المستوطنين بأي تفاهمات، يعتبر أن العكس هو ما سيحدث، حيث ستشجعهم هذه التفاهمات والموافقة الرسمية من الأردن والسلطة الفلسطينية على المزيد من الاقتحامات للمسجد الأقصى.
وبالرغم من هذا، فإن تفاهمات عمان كما يرى قاسم يمكن أن تساهم في البحث عن تهدئة وتقلص وتيرة العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية "لكن لن يكون نهاية للمواجهة التي ستبقي مستمرة حتى إنهاء الاحتلال".
ويضيف أن "الحراك الشعبي الحاصل يجب أن ينتشر في كل زمان ومكان، حتى يتطور إلى مسمى انتفاضة ويستمر"، وهو يعتبر أن ما يجرى منذ مطلع الشعر لم يتطور لانتفاضة شاملة، لأن البيئة الاجتماعية والوطنية والاقتصادية الحالية في الضفة الغربية لا تتناسب مع متطلبات انتفاضة قوية.
تخالف المطلوب فلسطينيا
ويتفق المحلل السياسي سامر عنبتاوي مع سلفه بأن "حالة المزاج الشعبي الفلسطيني لا تعتقد بأن تفاهمات عمان ومثلها ستنهي ما قامت من أجله انتفاضة القدس لأنها لا تقترب مما يطمح له الشعب الثائر، وهو ليس المطلوب فلسطينيًا".
ويعتبر عنبتاوي في تصريحات ل"صفا"، أن المقياس في الحكم على ما ستسير إليه الأمور مرتبط بعدة عوامل، أهمها هل سيشعر الفلسطينيون بتغيير على أرض الواقع، وهل سيوقف الكيان الإسرائيلي اجراءاته القمعية واقتحاماتها اليومية للمسجد الأقصى.
ويشدد على أن الشعب الفلسطيني في حالة مواجهة مدائمة والاحتلال لا يزال مستمر، ولذلك فإن الانتفاضة ستستمر، ولكن قد تهدأ وتيرتها وتنفض بين حين وأخر".
وينبه عنبتاوي إلى "أن هبة الشباب وانتفاضته الحالية حققت نتائجًا فعلية على الأرض، ولذلك فإن أي تفاهمات لن تحد من إرادة المنتفضين، لأن انتهاء المواجهة بشكل نهائي يتطلب حل جذري للوضع الحالي وهو الاحتلال.
وكان مسئولون في السلطة الفلسطينية انتقدوا كيري على تركيزه في جولته للمنطقة فقط على تهدئة الأوضاع والتوصل لتفاهمات تضمن استمرار الواقع في المسجد الأقصى من دون أي جهد فيما يتعلق بفتح مسار سياسي يتضمن الحديث عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية.
