لم يكن بحسبان جيش الاحتلال الإسرائيلي أن يلتقط أحد النشطاء مقطعا لوضع أحد جنوده سكينا بجوار جثمان الشهيد فضل القواسمة بعد تصفيته برصاص مستوطن في شارع "الشهداء" المحاط بالبوابات الإلكترونية والحواجز العسكرية وسط مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.
ويتفاجأ العارف بحال الإجراءات الأمنية في قلب الخليل للوهلة الأولى بزعم الاحتلال، كيف تمكن فلسطيني من إدخال سكين إلى قلب هذا الشارع المثبت على كامل مداخله أجهزة إلكترونية تصدر أصوات تحذير حتى على "أزرار بنطال معدني" يلبسه المار من المكان.
وهذا الأسلوب يمثل إجراء أمنيا عمره أكثر من عشرين عاما يستهدف حماية المستوطنين المتنقلين في المكان فرادى وجماعات من استهدافهم من جانب المارّة الفلسطينيين.
وكان نشطاء آخرون تمكّنوا من رصد اللحظة الأولى لإطلاق جيش الاحتلال الرصاص على الفتاة المنقبة هديل الهشلمون في مدخل شارع الشهداء قبل نحو شهر، وما أعقب تلك المشاهد من هبة شعبية امتدت إلى كامل أرجاء فلسطين.
دحض ادّعاءات الاحتلال
يقول منسّق تجمع شباب ضدّ الاستيطان عيسى عمرو لوكالة "صفا"، إنهم نجحوا في دحض ادعاءات الاحتلال في جريمتين جرى ارتكابهما وسط مدينة الخليل، وهما إعدام الفتاة الهشلمون عن طريق فيديو التقطه نشطاء أجانب على الحاجز العسكري المؤدّي إلى شارع الشهداء، وإعدام الشاب فضل الجعبري بفيديو التقطه أحد المتطوعين الفلسطينيين.
ويشير عمرو إلى أن الكاميرا التي يمتلكها المواطن في المناطق الواقعة على التماس مع الجيش والمستوطنين باتت بمثابة السلاح لكشف حقيقة دولة الاحتلال التي بنيت على الكذب والادعاءات المختلقة وعدم الاحترام لحقوق الإنسان، وعمليات الإعدام الخارجة عن القانون.
ويقول "تمكنا بفضل بعض الجهود من الإثبات للعالم أن ادّعاءات الاحتلال كاذبة وغير مسلّم بها من خلال تصوير الجرائم وتوثيقها في كافّة المحافل الدولية"، مضيفا أن كثيرين من الشهداء ربما تم إعدامهم بدم بارد وجرى وضع السكاكين إلى جوارهم في ذات المواقع بعيدا عن أعين الكاميرات.
ويلفت إلى أنّ المهم في هذه القضية النّجاح في تشكيل ثقافة لتوثيق العائلات لكل ما يحدث على الأرض، وعدم التسليم بروايات الاحتلال وادّعاءاته، وإحراج الاحتلال ورواياته أمام العالم والمؤسسات الحقوقية الدّولية، والإثبات من خلال الصور حقيقة عمليات القتل الممارسة بحقّ الفلسطينيين دون أيّة مبرّرات.
ويشير عمرو إلى أن "شباب ضد الاستيطان" نشروا الفيديو دون أن يكتشفوا عملية إلقاء جندي السكين بجوار الشّهيد القواسمة، لكن آخرين تمكّنوا من تحليل الفيديو، وكشفوا حقيقة ما جرى لتبرير عملية القتل بدم بارد.
ويرى أن عمليات الإعدام المتصاعدة على الحواجز العسكرية تأتي ضمن خطّة استراتيجية واضحة لحكومة الاحتلال تستهدف تصعيد الأجواء في قلب مدينة الخليل حسب الإمكانيات المتاحة للجيش.
كما أنها تستهدف بحسب عمرو إيصال رسائل تهديدية لحياة السّكان القاطنين في بعض الأحياء السكنية الواقعة ضمن أطماع الاستيطان في قلب الخليل والتي لم تنجح المخططات المختلفة في تفريغها، لذا يلجؤون لهذا الأسلوب للضغط على السكان لتهجيرهم بعمليات القتل والتصفية وتبرير الجرائم.
سلاح الكاميرا
ويتعرض سكان منطقة شارع الشهداء لتضييق مستمر من الاحتلال الذي أعلن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة منذ أيام وحظر الدخول إليها على سكانها، إضافة إلى شن الهجمات والاعتداءات من جانب المستوطنين على المواطنين والاعتداء عليهم باليد وتوجيه السباب والألفاظ النابية تجاههم.
ولا يبرح المواطن مفيد الشرباتي أحد سكان شارع الشّهداء وسط مدينة الخليل، كاميرته التي يوثّق بها كلّ صغيرة وكبيرة من انتهاكات الاحتلال والمستوطنين في شارع الشّهداء وتلّ الرميدة وسط الخليل.
ويقول الشرباتي لوكالة "صفا" إن الكاميرا "سلاحنا الوحيد في المنطقة لندافع به عن عائلاتنا وأطفالنا ومنازلنا، وهي أكبر إثبات على ما يقترفه الاحتلال وقطعان مستوطنيه من هجمات واعتداءات على السّكان الفلسطينيين".
ويعتبر اقتناء الشرباتي للكاميرا عامل ملاحقة إسرائيلية لا تنقطع له ولأفراد عائلته، كاشفا عن اقتحام جنود الاحتلال لمنزله بعد إعدام الشهيد فضل القواسمة مباشرة، ومصادرة كافة كاميرات التصوير وأجهزة الهاتف النقال، للحيلولة دون نقل أيّ مشهد من المكان.
لكنه يبين أن شقيقه تمكن من التقاط صور ما بعد إطلاق الرصاص على القواسمة، والتي تبين لاحقا احتواءها على مشهد وضع السكين بجانب جثمان الشهيد.
ويرى الشرباتي ضرورة إظهار ما يجري في شارع الشهداء من جرائم المستوطنين واعتداء لجنود الاحتلال أمام مرأى العالم، معربا عن أمله بأن تهتم الجهات الفلسطينية الرسمية بقضية التوثيق وتقديم المعدات اللازمة للسّكان لمساعدتهم على رصد كافة الاعتداءات التي تجري بحقّهم.
