رغم مرور ستة عشر عاما على مجزرة الحرم الإبراهيمي بالخليل، لا زالت جرائم الاحتلال تتجدد يوما بعد يوم في الحرم تمهيدا للسيطرة عليه وطرد المسلمين منه.
ويثير تزامن قرار الاحتلال الأخير بضم الحرم إلى تراثه مع ذكرى المجزرة تساؤلات لدى الكثيرين حول أهداف الاحتلال، مؤكدين أنها مقصودة وتستهدف المسلمين ومشاعرهم، وعدوا ذلك محاولة إحلال لتاريخ جديد للحرم مغاير لتاريخه الحقيقي الذي عرف به عبر الزمان.
ووقعت أحداث المجزرة يوم 15 رمضان 1415 هجري، الجمعة الموافق 25/2/1994 ميلادي، وأسفرت عن ارتقاء حوالي 30 شهيدا، وإصابة العشرات.
أحداث المجزرة
الشيخ عادل إدريس الذي أمَّ المصلين وقت وقوع المجزرة، سرد لـ"صفا" تفاصيل المجزرة المؤلمة، وقال إنه أثناء صلاة الفجر
![]() |
| وقعت المجزرة يوم 15 رمضان 1415 هجري (صفا) |
وأوضح إدريس الذي شاهد بأم عينيه جثث المصلين ملقاة على الأرض، أن المصلين صدموا من الحدث، وبدأ بعضهم يدافع عن نفسه من المستوطن "باروخ غولدشتاين" منفذ المجزرة، وآخرون مصابون ينتظرون من يسعفهم.
وقد استشهد شقيقه سليم في المجزرة، بعد إصابته برصاصتين إحداهما اخترقت جمجمته والأخرى اخترقت صدره، وحاول الشيخ نقله للإسعاف، لكنه فارق الحياة.
وذكر أن حوالي ثلاثين شهيدا ارتقوا بأحداث المجزرة، وأصيب العشرات، وصعدت قوات الاحتلال بعدها من عمليات الانتقام والتنكيل والتضييق على المصلين والاعتداء على صرحه.
ولفت الإمام إلى أن الاحتلال أغلق الحرم فترة من الزمن عقب المجزرة، وأعاد افتتاحه بعدها، لكن المفاجئة كانت بتقسيمه إلى جزأين، واقتطاع جزئه الأكبر للمستوطنين.
كما أن سلطات الاحتلال شكلت لجنة أطلقت عليها اسم "شمغار" من أجل التحقيق بملابسات المجزرة، لكنها حسب وصفه عاقبت الضحية وأنصفت الجلاد.
تزامن مقصود
الباحث والمؤلف ومدير الأوقاف السابق محمد ذياب أبو صالح عد تزامن قرار الاحتلال ضم المسجد الإبراهيمي لتراثه التاريخي مع ذكرى مجزرة الحرم بالأمر المقصود، مشيراً إلى أن الاحتلال يستمر بمخططاته لاستهداف المناطق المقدسة، ويحاول إيجاد واقع جديد متمثلا بانعدام الوجود غير اليهودي في هذه البلاد.
وأكد أن قرار الاحتلال الأخير كان بمثابة توطئ للدخول للمسجد الأقصى المبارك، باعتبار الخليل مدخلا للقدس، والطريق الوحيد الذي يمكن الدخول إليها يكون فقط عبر الخليل.
وأكد أبو صالح أن الإجراءات التي نفذتها سلطات الاحتلال بحق المسجد الإبراهيمي كانت بمثابة بوابات للدخول إلى بيت المقدس وتهيئة للناس للسيطرة على الأقصى وطرد المسلمين عنه.
وحول أطماع الاحتلال بالحرم، أكد أن اليهود يتذرعون بتقديسهم للحرم انطلاقا من حب السيطرة عليه، رابطين ذلك بجد الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وينكرون أبوته لغيرهم.
وأكد أبو صالح أن اليهود لم يكن لهم أي موطئ قدم بالخليل، أو أي أثر، وهذا ما أثبته الحفريات الأثرية التي أجرتها الأوقاف الإسلامية هناك في وقت سابق.
لكنه أردف قائلا :" إن إجراءات الاحتلال بحق الحرم، منذ المجزرة حتى هذا اليوم، تعد جزءا من مخطط للصهيونية العالمية، وأفكارها وأيديولوجياتها التي تدعو إلى الاستحواذ على كل شيء لليهود، ومن بينها المعالم الإسلامية في الأراضي المحتلة".
وحول شهادته عن المجزرة، قال أبو صالح: "شاهدت عشرات الجثث الملقاة على الأرض والدماء التي تسيل على بساط الحرم وأماكن السجود"، مصورا حجم المجزرة بالكبير وغير المقبول على المستوى البشري.
خشية على مستقبله
وأكد الباحث التاريخي أن الخشية كبيرة على المسجد، والأخطار تتصاعد يوما بعد يوم، مضيفا "لم يبقَ على الاحتلال سوى وضع إعلان بحظر دخول أحد غير اليهود للمسجد"، في إشارة إلى عمليات العربدة التي تنتهجها قوات الاحتلال لحرمان المسلمين من حقهم في وصوله.
ويشير إلى أن الحرم بناء عربي قديم جدا، وشيّد قبل الإسلام على أيدي ملك الأدوميين، من سنة (37-4) قبل الميلاد، وكان تابعا للرومان واليونان والبيزنطيين وبعدها الفرس، إلى أن جاء الإسلام واتخذ مسجدا.
وأورد أن الدليل بأنه إسلامي بناؤه باتجاه القبلة، قائلا :" إنه تقدير رباني وقد بني قبل الإسلام ليكون مسجدا"، مشيراً إلى أنه لم تدخل عليه أية شائبة إلا بعد احتلال الصليبيين لفلسطين وإقامة كاتدرائية لهم فيه، ولكن صلاح الدين أعاد تحريره وأقام عليه الوقوف، وثبت عليه العائلات.

