يعدّ البحر الميت أحد الظواهر السياحية الهامة في فلسطين، وله ميزات لا تتوفر في أي مكان في العالم، فهو يقع بجوار أقدم مدينة في التاريخ، كما أنه يقع في أخفض بقعة على وجه الأرض، إضافة إلى عدم وجود مظاهر للحياة فيه كباقي البحار بسبب ملوحته المرتفعة.
ولكنّ شيئا ما صنعه الاحتلال يهدّد وجود هذا الأثر الجيولوجي المميز، ويكاد يشد الخناق عليه حتى يقتله ليكثر حديث الجيولوجيين عن قرب فناء البحر الميت وزواله من الوجود.
ويلاحظ الزائر لهذا البحر الهادئ الطباع، الساكن بطبعه، غير المتقبل لكائن يعيش في جوفه، مظاهر متعددة لانحسار مياهه، سيما في الجهة الجنوبية منه حيث يقال:" كان هنا بحر".
ويقول خبير الجغرافيا السياسية والمحاضر في جامعة بيرزيت كمال عبد الفتاح: "تبلغ مستويات التبخر في البحر الميت أرقاما قياسية غير مسبوقة في أي مكان في العالم، وهي بمعدل 2300-2400 سنويا".
وأوضح أن هذا الأمر يحتاج إلى روافد مائية كبيرة لكي تعوض هذا الكم الكبير من التبخر، ولكن المشكلة بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي حين حرم هذا البحر من مصدر غذائه الطبيعي، نهر الأردن.
ينخفض مترا سنويا
واتهم عبد الفتاح في حديث لـ"صفا" الاحتلال بالمسئولية عن هذه المشكلة بعد أن قام بتحويل مياه بحيرة طبريا ونهر الأردن إلى النقب، كما أقامت الأردن مشاريع مياه
على نهر الأردن مثل قناة الغور الشرقية وسد الملك طلال وسد نهر الزرقاء، ولكن معظم المياه تسحبها وتحولها "إسرائيل".
![]() |
| شاب يقرأ صحيفة أردنية يومية وهو يسبح في البحر (صفا) |
ونوَّه إلى أن عمليات تبخر عالية مع تجفيف لمصادر المياه يؤدي إلى تناقص البحر الميت مترا كل عام "وهذا خطر جدا"، ولفت إلى أن مستوى البحر الميت كان على عمق 392 مترا سنة 1964 واليوم هو على مستوى 421 مترا، وهذا يعني أنه فقد 29 متراً خلال 46 عاما "وهذا غير مسبوق".
وبالرغم من أن عبد الفتاح يعد الحديث عن زوال البحر الميت خلال خمسين عاما كما تشير الدراسات أمر مبالغ فيه؛ لكنه يشير إلى أن البحر قد يتقلص إلى النصف خلال هذه الفترة وهذا له آثار كارثية على البيئة وحياة الإنسان في تلك المنطقة.
وينوّه خبير هندسة الزلازل جلال الدبيك إلى أن الملاحات وشركات الفوسفات على جانبي البحر في الأردن و"إسرائيل" تسهم أيضا في زيادة معدلات التبخر، حيث يعد البحر الميت مصدر ثروات للدولتين.
كما يعد البحر الميت أيضا من المراكز الاقتصادية التي تبنى عليها كثير من الصناعات مثل مصانع الملح ومصانع المستحضرات التجميلية والعلاجية.
مخاطر محتملة
وضرب عبد الفتاح مثالا على ذلك من حالة مشابهة في وسط آسيا، وهي بحر الآرال في تركمانستان، فهو بحر معزول مثل البحر الميت وكان يغذيه نهري سيحون وجيحون،
ولكن السوفييت حولوها لأكبر مزارع القطن في العالم فنقص مساحته للنصف، وأصبحت قيعانه المالحة مكشوفة؛ وهذا أدى إلى زيادة كبيرة في أمراض سرطان الجلد والتنفس.
![]() |
| يعد البحر الميت من المراكز الاقتصادية الهامة (صفا) |
ويرى الدبيك أن هناك جدلا بين العلماء حول التغيرات في منطقة البحر الميت وآثارها الزلزالية؛ لافتا إلى أن هناك من يحذر ويقول إن زوال أوزان كانت تشكلها المياه سيؤثر في قشرة الأرض ويعد عامل تنشيط للزلازل.
ولكن علماء آخرين - حسب الدبيك- يرفضون هذا التحليل، وهناك اختلافات في آراء العلماء داخل الدولة الواحدة حول ذلك.
ولكن أوجها أخرى من الآثار السلبية يشير إليها الباحثان وهي الانهيارات وتغير أشكال الحياة في المناطق الجافة من البحر الميت ذات القيعان المالحة، حيث سبق أن انهارت استراحة الضمان الاجتماعي عام 1999 وسد البوتاس رقم 19 عام 2000 في الأردن المعرضة لمخاطر أكبر بحكم وجود تجمعات سكانية محاذية للبحر.
قناة البحرين: هل تشكل حلا؟
ويشير عبد الفتاح إلى أن الحديث عن مشروع قناة البحرين التي ستربط البحر الأحمر بالبحر الميت لتعويض الفاقد من المياه هو مشروع سياسي له جانب تطبيعي أكثر منه
مشروع جدي؛ وهو يثار حسب الأوضاع السياسية في المنطقة.
![]() |
| حرم البحر من مصدر غذائه الطبيعي وهو نهر الأردن (صفا) |
ويضيف "الأغوار ليست منطقة جذب سياحي، وتوصف على أنها الحديقة الخلفية، وقد نشرت عدة دراسات حول الآثار المترتبة على هذه القناة والتي أشارت إلى آثار سلبية على البيئة، سيما وأن منطقة البحر الميت هي منطقة زلازل حيث تحدث فيها 3-4 زلازل سنويا، وهي منطقة انكسارية تقع في الأخدود السوري الإفريقي".
وحول آثار هذه القناة على المنطقة من حيث تنشيط الزلازل يقول الدبيك: "تختلف الآراء حول زيادة الأوزان من خلال ضخ المياه إلى البحر الميت تماما مثل الحديث عن فقدانها؛ ولكن في هذه الحالة هناك من يرد من العلماء على آخرين يعدون ذلك منشطا للزلازل من خلال القول بأن هذه الأوزان كانت موجودة أصلا عبر التاريخ قبل تقلص مساحة البحر الميت".

.jpg)
.jpg)
.jpg)