يغلب العوز والعجز على حياة المسنة ابتسام أبو جراد وهي تواجه أعباء توفير احتياجات ابني شقيقتها منذ استشهاد والديهما في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صيف العام الماضي في ظل تنكر السلطة الفلسطينية لاعتمادهما ضمن مخصصات أسر الشهداء.
وتغلب مشاعر اليتم والأسى على وئام (10 أعوام) وشقيقها محمد (7 أعوام) وهما يفتقدان يوميا لوالديهما بكل ما يمثلانه من عاطفة بالنسبة إليهما، دون دراية كاملة منهما باحتياجات أخرى منعدمة يحملها الحاضر وأخرى أكبر يخبئها المستقبل.
وقضى عبد الرحمن أبو جراد والد وئام ومحمد مع زوجته وستة من أقاربه جراء استهداف إسرائيلي لمنزل العائلة في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة ما أدى إلى هدمه كليًا وتشريد عدة عائلات تقطن فيه.
والمسنة ابتسام نفسها فقدت منزلها لتنزح مع أطفالها الأربعة وابني شقيقتها الأيتام إلى مدرسة للأمم المتحدة ومنه بعد شهور إلى منزل للإيجار وهو ما يزيد من محنتها والأعباء الاقتصادية التي تواجهها.
وتشكو ابتسام في حديثها لوكالة "صفا"، صعوبة الحياة وتعاظم التكاليف الملقاة على عاتقها وسط استغرابها من ترك ابني شقيقتها اللذان لم يعد ملجأ لهما يواجهان مصيرهما دون رعاية رسمية لهما.
وتشير ابتسام إلى أنها راجعت عشرات المرات لدى مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى في غزة أملا في اعتماد أسماء أقاربهما خصوصا ابني شقيقتها غير أن الوعود فقط هي ما حصلت عليه دون أن تترجم إلى واقع.
وحال هذه المسنة مماثل لعشرات آلاف الأسر التي ودعت شهداء بحزن وألم لا يوصفان لتصاب بصدمة التنكر الرسمي لهم في سجلات الشهداء ومجرد صرف مخصص مالي لهم يعين خصوصا من فجعوا باليتم مبكرا.
وكان استشهد ما يزيد عن 2200 مواطن خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الذي استمر مدة 51 يوما في الفترة من 7 يوليو وحتى 26 أغسطس الماضيين.
احتجاجات دون جدوى
ولجأ أهالي الشهداء إلى تنظيم عدة احتجاجات أمام مقر مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى في قطاع غزة للمطالبة باعتماد أبنائهم ممن قضوا في العدوان الأخير دون جدوى.
ويقول المتحدث باسم لجنة "أهالي الشهداء" في غزة علاء البراوي إن السلطة الفلسطينية ترفض صرف رواتب لشهداء العدوان الأخير أسوةً بباقي الشهداء.
وأستغرب البراوي في حديث لوكالة "صفا"، اعتماد السلطة نحو 20 شهيدا كانوا قضوا في مواجهات متفرقة مع الاحتلال الإسرائيلي في عدد من مدن الضفة الغربية خلال نفس فترة العدوان على غزة.
وبحسب البراوي حظي أهالي شهداء الضفة الغربية في تلك الفترة باعتماد صرف رواتب شهرية لهم إضافة إلى تغطية تكاليف العزاء ، وهو ما لم يسر على شهداء عدوان غزة.
وحسب النظام المعمول به يجرى اعتماد الشهداء في الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل مؤسسة الرعاية المنبثقة عن منظمة التحرير.
وسبق أن واجه اعتماد السلطة لشهداء عدواني عامي 2008 و2012 مماطلة استمرت لأكثر من عامين تخللها احتجاجات متواصلة من أهالي الشهداء قبل أن يتم الاستجابة لمطالبهم أخيرا.
وصرفت مؤسسة رعاية أسر الشهداء في شهر مايو من العام الماضي مخصصات مالية لـ 1500 شهيد من العدوان الإسرائيلي عام 2008، أما عدوان عام 2012 فإنها صرفت مخصصات مالية لأكثر من 300 شهيد.
ويخشى أهالي شهداء غزة الأخير الدخول في نفس دوامة المماطلة قبل أن يجرى اعتماد أسماء أبنائهم، لكن الأسوأ أن يتم تهميش مطالبهم كليا بما يعكس التنكر لحقوقهم ومكانتهم.
ويقول البراوي إن تحرك لجنة أهالي الشهداء بتنظيم احتجاجات متكررة يأتي من منطلق وطني بحت يستهدف رفض تهميش أهالي شهداء عدوان غزة الأخير ورفض جعلهم ضحايا للتجاذبات السياسية.
ويشدد البراوي على موقف أهالي شهداء عدوان غزة الأخير بأنهم لن يصمتوا عن حقوق أبنائهم وسيواصلون اعتصاماتهم حتى يتم إدراجهم واعتمادهم مالياً كباقي شهداء الشعب الفلسطيني.
الانقسام هو السبب!
أنشئت مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى عام 1965 بقرار من منظمة التحرير الفلسطينية لتكون مسئولة عن إغاثة أسر الشهداء والجرحى داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.
وافتتحت المؤسسة مقرها في غزة مع تأسيس السلطة عام 1994، وكثيرا ما واجهت اتهامات بتعمد خلط اعتماد الشهداء باعتبارات سياسية.
ويقر مسئول المؤسسة في غزة محمد النحال بوجود تجاهل متكرر لأهالي شهداء عمليات العدوان الإسرائيلي المتكرر على قطاع غزة خاصة شهداء العدوان الأخير.
ويعزو النحال في حديث لـ"صفا"، هذا التجاهل إلى الانقسام الداخلي "الذي كان السبب الرئيسي في عدم اعتماد السلطة لشهداء العدوان الأخير ضمن المخصصات المالية لأهالي الشهداء".
وتقدم مؤسسة رعاية الشهداء والجرحى مخصص مالي شهري لعائلة كل شهيد يقدر بمبلغ 1400 شيكل إسرائيلي، إضافة لخدمات أخرى منها التعليم المجاني والتأمين الصحي للجريح أو لأهالي الشهداء.
ويؤكد النحال أن الشهداء الذين استشهدوا بعد عدوان 2014 أو قبله تم اعتمادهم مالياً في حين أن شهداء العدوان الأخير تحديداً لم يبت الرئيس محمود عباس بمصيرهم حتى الآن.
ويأتي استمرار تجاهل اعتماد شهداء عدوان غزة الأخير رغم مرور عام كامل عليه، في ظل حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت بهدف توحيد المؤسسات في غزة والضفة الغربية قبل أكثر من عام.
وأمام حجم الانتقادات الأهلية والشعبية الموجهة إلى مؤسسة رعاية الشهداء والجرحى على خلفية استمرار تجاهل أهالي شهداء العدوان الأخير، فإن مسئوليها في غزة سعوا لتحميل الجهات الرسمية في رام الله كامل الذنب عن ذلك.
ولم يتسن الحصول على تعقيب من رئاسة الوزراء في رام الله بشأن الأزمة.
فيما يوضح النحال أن المؤسسة في غزة جمعت كل المعلومات المطلوبة لشهداء العدوان الأخير وأرسلتها لوزارة المالية ورئاسة الوزراء في رام الله لكنها لم تتلق أي قرار بصرف مخصص مالي لهم.
ويؤكد النحال أن المؤسسة ستواصل جهودها لاعتماد وتدعم مطالب أهالي شهداء عدوان غزة الأخير حتى يتم اعتمادهم مالياً أسوةً بباقي الشهداء وهو ما يأمل أن يتم ذلك قريبا رغم عدم وجود أي أفقٍ محددٍ حتى الآن.
