غزة- رنا شمعة- صفا
انتهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وعادت الحياة إلى طبيعتها، ولكن جراحه وآثاره النفسية لم تلتئم في نفوس الأطفال والكبار الذين عايشوا مشاهد القتل والدمار، وفقدوا أغلى ما يملكون بحياتهم، حتى أصبحوا يعانون من صدمات نفسية واضطرابات ما بعد الصدمة. وحسب أخصائيون نفسيون، فإن نسبة كبيرة من الحالات تتعافى من خلال الأنشطة التفريغية والترفيهية، في حين أن من تعرض لحدث هدد حياته سواء من ناحية نفسية أو جسدية كالإصابة والإعاقة أو فقدان أحد من أسرته، فهذا يعني أنه تعرض لصدمة نفسية قاسية، ويحتاج لعلاج نفسي عميق. ولمعالجة الآثار النفسية للعدوان، فإنه يقع على عاتق المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والطفولة والمرأة دورًا متكاملًا وجهودًا مكثفة للتخفيف من معاناة المجتمع، ومساعدتهم في تخطي أزماتهم النفسية بطرق علاجية مختلفة. وتلعب وزارة الشؤون الاجتماعية دورًا في معالجة الآثار النفسية، رغم نقص الإمكانات، وعدم وجود فريق كبير من الأخصائيين للتعامل مع الكم الكبير من الحالات النفسية.. كما تقول مدير عام الأسرة والطفولة بالوزارة إيمان عدوان لوكالة "صفا". [title]خطط وبرامج [/title]وتوضح عدوان أن الوزارة وضعت خططًا وبرامج عدة بالتعاون مع المؤسسات الأهلية والمعنية من أجل التخفيف من معاناة الأطفال وأسرهم ورفع معنوياتهم، مبينة أن التعامل سيتم بالبداية مع الأطفال الأيتام عبر تلقيهم الدعم النفسي والاجتماعي من خلال برامج ترفيهية وتفريغية وعلاجية. وتنظم الوزارة مهرجانات ترفيهية للأطفال المتضررين من العدوان، ضمن الإسعاف النفسي الأولي، كما ستنفذ برامج دعم نفسي واجتماعي للأطفال وكافة الأسر، بما فيهم الجرحى والمعاقين. والتعامل مع آثار ما بعد الصدمة -بحسب عدوان- يتم من خلال زيارة أحد الأخصائيين النفسيين إلى الحالة وتقييمها، ومعرفة كيفية التدخل للتعامل معها وما هي احتياجاتها، بحيث يجري تقديم عشر جلسات دعم نفسي لها، ولكن إذا لم تتعافى فإنها تحتاج لتدخل طبي نفسي وعلاج معمق. وبالنسبة للأسرة، تبين أن الوزارة تقدم برامج توعوية تثقيفية للأسرة حول كيفية التعامل مع أطفالهم وسلوكياتهم، وكذلك إحساسهم بالأمان، والاستماع إليهم ولمخاوفهم. وهناك حملة تطوعية للدعم النفسي للأسر الفلسطينية أطلقتها مدير عام الرعاية والتأهيل بالوزارة اعتماد الطرشاوي، تستهدف النساء والأطفال في القطاع لتقديم الدعم النفسي لهم والتعبير عن أحلامهم ومشاعر الألم والحزن التي عايشوها بفعل العدوان. وتوضح الطرشاوي أن الوزارة أنهت بالتعاون مع السفارة التونسية الترتيبات اللازمة لتنظيم رحلة ترفيهية إلى تونس لحوالي 100 طفل تعرضوا لأحداث مختلفة، وسيتلقون خلالها الدعم النفسي. [title]دور فاعل [/title]ولا يقتصر الدور فقط على الشؤون الاجتماعية، فبرنامج غزة للصحة النفسية يقوم بدور فاعل لمعالجة آثار العدوان عبر قيام طاقم "التدخل في الأزمات" بمعاينة الحالات في الميدان، والتعرف على الآثار النفسية والاجتماعية لها، ومن ثم وضع خطة لمساعدتها. وتقول الأخصائية النفسية بالمركز زهية القرا لوكالة "صفا" إن المركز يعمل على تخفيف آثار الصدمات النفسية على أهالي القطاع ومساعدتهم بالتوعية والتثقيف والحصول على مهارات تساعدهم في التكيف مع التغيرات التي حدثت معهم نتيجة العدوان. وتعاني العديد من الحالات- وفق القرا- من القلق والخوف من المستقبل، مشاكل بالنوم وآلام في الجسد، الخوف من تكرار العدوان، واستمرار التفكير بالأحداث والجرائم المرعبة، الانفعال النفسي، العصبية والأحلام المزعجة، وكلها قد تؤثر على التركيز والذاكرة والتواصل مع المحيطين بهم. وتوضح أن المركز ينفذ عدة برامج لمعالجة تلك الآثار، أولها السيكو دراما، أي العلاج بالتمثيل بالدراما، وذلك من خلال مساعدة الأطفال، وخاصة في المناطق الحدودية بالتعبير عن مخاوفهم في أكثر من جلسة عن طريق الدراما. وثاني تلك البرامج المخيمات الصيفية وتنظيم أنشطة حرة وترفيهية لمساعدة الأطفال بالتعبير عن طاقتهم وقلقهم، أما الحالات الصعبة، والتي يتم علاجها دوائيًا في عيادة الطب النفسي، كما يتم عقد جلسات علاج نفسي لها. كما يهتم المركز بتوعية الأهالي نفسيًا بشأن آثار العدوان حتى يتفهموا طبيعة ما حدث معهم من أعراض ناتجة بفعل العدوان، وهناك أيضًا خط الإرشاد الهاتفي لاستقبال الحالات التي لم يتمكن الطاقم من زيارتها، وتحتاج لمعالجة طارئة. [title]تمارين وأنشطة [/title]مركز فلسطين لرعاية ضحايا الصدمات النفسية هو الآخر بادر عبر فريق "التدخل السريع أثناء الحرب" إلى التعامل نفسيًا مع الأطفال والنازحين في مراكز الإيواء، ومحاولة الاستماع لما تعرضوا له، وتقديم الإسعاف الأولى للحالات النفسية من خلال تنظيم أنشطة تفريغ نفسي وانفعالي للطاقات وللمشاعر المكبوتة. ويقول منسق "برنامج التدخل السريع" جبر ثابت لوكالة "صفا" إن الفريق قدم أيضًا عددًا من النصائح والإرشادات حول كيفية تعامل الأسرة مع أبنائها الذين يعانون من آثار نفسية، ناهيك عن تنشيط جميع الأطفال بمراكز الإيواء عبر اللعب، والرسم على الوجوه بالألوان، وتوزيع الألعاب عليهم. وحاليًا يعمل المركز –وفق ثابت- على تنفيذ مشروع تعزيز صمود الأسرة، عبر زيارة الأسر التي تعاني من صدمات نفسية، ومحاولة مساعدتهم والتخفيف عنهم عبر تقديم الدعم والخدمات النفسية التي يحتاجونها، بعدما يُقيم الفريق المختص ذلك من خلال مقاييس الاضطراب النفسي. ويشير إلى أن هناك حالات قد تعاني من "اضطراب كرب ما بعد الصدمة"، أي أنها تظهر بعد 28 يومًا من انتهاء الصدمة، وهذه الحالات تعاني من أعراض أساسية. وعن علاج الحالات بالتركيز، يفيد بأن هذا يعتمد على الاستماع للمواطنين الذين تعرضوا لصدمات نفسية، وتقديم بعض المساندة النفسية لهم من خلال عدة تمارين، مثل "تمرين الصمود، الاسترخاء، المكان الآمن، وتمرين توقف المشاعر". وتلقى المركز عقب العدوان نحو 50 حالة من الأطفال والنساء تعاني من صدمات نفسية، حيث يعمل على دراستها وتقييم المشكلة، وفي حال احتياجهم للعلاج سيتم التعامل مع كل حالة من خلال ثلاث جلسات تقييمية وتشخيصية، وبعدها يتم وضع خطة للعلاج.
