ويشكو المواطن الذي لم يجد مفراً من البقاء حول منزله الذي هدمه الاحتلال في حربه على غزة العام الماضي، من قسوة الحياة التي تشتد عليهم مع كل موجة شتاء وصيف، دون أن يتجه أحد لمساعدته لتحسين أحواله، أو إيجاد مسكن بديل مؤقت.
وهدم الكيان الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة التي شنها على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول 2008 وامتدت لـ 22 يوما، أكثر من 5000 منزل بشكل كلي، و20 ألف منزل بشكل جزئي.
ويدخل العام الثاني على مشردي الحرب وأحوالهم ما زالت تزداد صعوبة، حيث يعيش عدد كبير منهم في خيام وكرفانات، فيما يقيم آخرون في الأجزاء المتبقية من منازلهم المهدمة، التي لا تحميهم حر الصيف أو برد الشتاء.
وتسببت أمطار المنخفض الجوي الذي ألم بالمنطقة منذ مساء الأحد، والذي يتوقع أن يستمر لعدة أيام أخرى، بزيادة معاناة هؤلاء المشردين وعوائلهم.
منطقة معزولة
ويقول المواطن فرج -الذي يقطن عزبة عبد ربه شمال قطاع غزة- في حديثه لـ"صفا" :"مرَّت السنة الماضية ونحن نتذوق المرّ في هذا المكان، فالكرفانة لم تحمِنا بالأمس من مياه الأمطار، وأحاطتنا ودخلت علينا، ولم يستطع أطفالنا الخروج منها".
ويضيف المواطن البالغ "50 عاماً" بألم يعكس قسوة الحرب الوحشية "مرت الحرب بشتائها وتحملناها، ومر الصيف بحره وتحملناه، وها هو الشتاء الثاني يزيد قسوة الحياة، وما يقهرنا أننا نشعر وكأننا نعيش في منطقة معزولة، لا أحد ينظر إلينا ولا يأتي ليشهد ما يحل بنا من مصائب".
ويشجب المواطن المكلوم تجاهل الجهات المسئولة والفصائل الفلسطينية لهم، قائلاً: "نشعر وكأننا لسنا بشر، ورخصنا على الجميع، حتى الفصائل، كل حزب يقيم مهرجانات تكلف آلاف الدولارات، ونحن مشردون، ماذا كان سيحدث لو منحوا ثلث ما ينفقونه من أموال لمساعدة أصحاب البيوت المهدمة؟!".
ويتخوَّف المواطن خضر خضر من خطر استمرار أو زيادة سيول المنخفض الجوي في الأيام القادمة، على الجزء المتبقي من منزله المهدم في حي السلام بمخيم جباليا، والذي يقيم فيه هو وأسرته الممتدة منذ الحرب.
ويصف لـ"صفا" الليلة الأولى من الأمطار، قائلاً: "ما أن اشتد المطر، وإذا بالمياه تدخل بلمح البصر الغرفتين المتبقيتين من البيت، وكنا في مهمة كبيرة، فالكلّ أخذ يجرد المياه خارج الغرفتين حتى لا تغرقا أو تسقطا".
وتابع متخوفاً من المستقبل القادم "على ما نسمع بأن المطر سيستمر أسبوعا، ولا ندري ماذا سيحدث لنا، هل سنبقى في الغرفتين أو نتركهما حتى لا نغرق، خاصة وأن نوافذهما قريبة من الأرض، وقمنا بتغطيتها بالرمال من الخارج حتى لا تدخل المياه علينا، لكنها لا تحمينا منها".
أما أسرة المواطن صابر جنيد، فلازالت تواجه معاناة أكبر في تنقلها بين الكرفانة والخيمة، باحثة عن مأوى يجيرها من المزيد من الكوارث.
ويقول جنيد "رغم أن هذا الشتاء ضعيف، وموجة الأمطار لا تساوي شيئا بالنسبة للسنوات السابقة من الشتاء، لكننا لم نشعر بذلك، لأن ما يؤوينا ضعيف ويجعلنا نشعر ببرد شديد، لأننا في مناطق مفتوحة ولا يحيطنا شيء يتلقى عنا الرياح ولا المطر".
ويضيف لـ"صفا" "أجساد أبنائنا تذوب من شدة البرد، والوحل والمياه تحيط الخيمة والكرفانة التي أقمناها فوق ركام البيت، ولا نأخذ احتياطنا من شيء قادم، فحياتنا أصبحت على التواكيل من يوم الحرب".
برنامج بيوت مستورة
وحول متابعة شئون هؤلاء المشردين، قال مدير عام الإسكان التعاوني في وزارة الأشغال بغزة ناجي سرحان: "إن الوزارة تتجه نحو برنامج إقامة وحدات سكنية للمشردين، وذلك من خلال بناء بيوت مستورة لهؤلاء إلى حين فتح المعابر وإعادة إعمار القطاع".
وأوضح سرحان في حديث لـ"صفا" "إن البرنامج تقوم عليه الوزارة بالتعاون مع وكالة الغوث ومؤسسة UNDB"، مضيفاً "أن التسكين سيكون عبارة عن بناء منزل صغير لكل مواطن على مساحة معقولة مكان بيته المهدم، وسيستفيد من هذا التسكين الأسر التي لا زالت تقيم في كرفانات وخيام وبيوت مهدمة".
وحول المدة الزمنية التي سيستغرقها تنفيذ برنامج التسكين، أفاد سرحان أنه لا يمكن تحديد مدة زمنية محددة، لعدم توفر مواد البناء بشكل منتظم في الأسواق بسبب إغلاق المعابر ومنع الاحتلال لدخولها، لكنه توقع أن يتم تنفيذه خلال أربع أو خمسة أشهر".
وعن ظروف ومصير هؤلاء إلى حين إتمام تنفيذ البرنامج، قال: "إن الوزارة قدمت لهؤلاء كل ما تستطيعه من دعم، ووفرت لهم مبالغ لاستئجار بيوت إلى حين بناء منازلهم، لكن عددا منهم بقوا في أماكنهم، لوجود أزمة في الإيجار".
