القدس المحتلة - صفا
يجمع المحللون الإسرائيليون على أن لجنة تحقيق في العدوان واسع النطاق المستمر على قطاع غزة منذ الثامن من الشهر الماضي ستشكل لا محالة، على أن تكون الأنفاق الأرضية في القطاع أبرز عناوينها. وذكر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، أنه على الرغم من أنه يصعب التنبؤ الآن باستنتاجات مثل هذه اللجنة، لكن ثمة مؤشرات على أن هذه الاستنتاجات ستكون خطيرة وجدية. وكتب محلل الشؤون الحزبية في صحيفة "هآرتس" يوسي فيرتر أول أمس الأحد، أنه "إذا استمر إطلاق الصواريخ فإن بنامين نتنياهو قد يُعتبر كمن يقود (إسرائيل) إلى مذلة قومية، الأمر الذي سيتسبب بفقدانه لدعم الأغلبية في حكومته وحزبه، وفقدان الحكم لاحقا". ويبدو، بحسب التقارير الإعلامية الإسرائيلية، أن أحد أبرز المواضيع التي ستطرق إليها لجنة تحقيق مستقبلية سيكون موضوع الأنفاق. وتبين أن هذا موضوع معقد وشائك، وفي حال تناولته لجنة تحقيق فإنها ستتعامل مع عدة جوانب فيه: أولا: هناك اتهامات لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأنها لا تملك معلومات كافية حول الأنفاق في قطاع غزة. ولذلك، فإنه لم يكن بإمكان سلاح الجو تدمير الأنفاق لأنه مكانها ومسارها ليس معروفا. واستمر الجيش الإسرائيلي في مواجهة مصاعب في كشف الأنفاق في أعقاب شن العملية العسكرية البرية أيضا، رغم أنه تمكن من كشف جزء منها، بعد الدخول إلى بيوت في القطاع، حُفرت أنفاق تحتها، بحسب التقارير الإسرائيلية. ثانيا: أعلن نتنياهو أن هدف الحرب على غزة، وخاصة الاجتياح البري للقطاع، هو تدمير "الأنفاق الهجومية"، أي تلك التي بدايتها في القطاع ونهايتها في "إسرائيل"، وربما تمتد تحت بلدة إسرائيلية قريبة من الشريط الحدودي. وتحدث مسئولون في الحكومة عن عدم اطلاعهم على تهديد الأنفاق. لكن ضباطا في الجيش الإسرائيلي سارعوا إلى التأكيد على أن موضوع الأنفاق تم طرحه خلال اجتماعات الحكومة والكابينيت منذ عام تقريبا، وأن الحكومة لم تهتم بتحذيرات الجيش. ما يعني أنه يوجد تناقض هنا بين روايتي المستويين السياسي والعسكري. ثالثا: حتى بعد أن أعلن ضباط أمام المراسلين عن تدمير أنفاق، تبين أنه لم يتم تدميرها بالكامل وأنها لا تزال تعمل. وأبرز مثال على ذلك هو قول أحد الضباط الإسرائيليين إن بلدة في جنوب "إسرائيل" باتت في مأمن من تهديد أحد الأنفاق، لكن بعد مرور ساعة واحدة خرج مقاتلون فلسطينيون من النفق نفسه وقتلوا أربعة جنود إسرائيليين. وفي هذا السياق، نقل موقع "هآرتس"، يوم الخميس الماضي، عن ضابط إسرائيلي كبير قوله إنه منذ بدء الاجتياح البري للقطاع دمر الجيش الإسرائيلي ما بين 80 إلى 90 بالمئة من الأنفاق المعروفة له. لكن الضابط اعترف في الوقت نفسه بأنه ما زالت لدى المقاومة في غزة قدرة على شن هجمات في الأراضي الإسرائيلية من خلال الأنفاق. وقال إن "ثمة احتمالا بأنه بقيت هناك مخارج أنفاق أخرى، لكنها قليلة إن وجدت". رابعا: الاستخبارات الإسرائيلية تقول إن المقاومة في غزة بدأت تستعد للحرب الحالية منذ نهاية العام الماضي. والسؤال الذي يطرحه محللون عسكريون هو لماذا لم يستعد الجيش لذلك، وهل كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على علم بأن المقاومة اتخذت قرارا استراتيجيا بالمبادرة إلى شن هجمات عبر الأنفاق؟. ويتوقع أن تتناول لجنة التحقيق امتناع الحكومة الإسرائيلية عن توسيع الاجتياح البري، إذ أن قرارا كهذا كان محل توتر بين الحكومة والقيادة الميدانية للجيشش بعد تجنيد 86 ألف جندي احتياط. وبرز هذا التوتر بأقوال ضابط كبير لوسائل الإعلام بأن على الحكومة أن تقرر إما توسيع العملية العسكرية البرية أو سحب القوات من القطاع. ورأى محلل الشؤون الأمنية في "هآرتس" أمير أورن، أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، كونه جهاز أمن وقائي والمسئول الأول عن الحلبة الفلسطينية أخفق بشكل كبير في العدوان الحالي على غزة. ولاحظ المحلل أن الشاباك "تحول إلى ضابط السلوك للاحتلال" في الضفة والقدس خصوصا. واعتبر أورن أن "الشاباك فوت المعاني الحقيقية للتطورات في غزة منذ الأعوام 2005 – 2007، وهي الفترة التي بلورت الواقع الجديدة وعشرات الأنفاق التي ليست مجرد حفرة تحت الجدار، وإنما هي وفقا لتسمية الجيش "اختراق المجال"، وهي بُعد آخر في القتال – أي غواصات برية". وأضاف أورن أنه "أمام عدو كهذا، ويعمل بهذه الطريقة، ثمة حاجة لمؤهلات استخبارية يفتقر لها الشاباك الذي اكتسب مجده بتفعيل عملاء من أجل إحباط عملاء... ولا توجد للشاباك أية أفضلية نسبية في جمع معلومات استخبارية خلال القتال، وهو أمر يستوجب خبرات أخرى... ورئيس الشاباك، يورام كوهين، المتحصن في عزبته، يخضع بشكل مباشر لبنيامين نتنياهو. وكلاهما، كوهين ونتنياهو، مسؤولان عن فشل الشاباك في غزة". وفي موازاة الاتهامات لأجهزة الأمن بالفشل في الحرب على غزة، رأى الباحث والمحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا أوري زيلبرشايد في مقال نشره يوم الخميس الماضي، في موقع "يديعوت أحرونوت" الإلكتروني، أن "إسرائيل" فوجئت في الحرب الحالية مثلما فوجئت في حرب "يوم الغفران"، أي حرب أكتوبر العام 1973. ودعا زيلبرشايد إلى "إخراج إدارة الحرب من أيدي نتنياهو ويعلون، ومن شأن انتصار كامل فقط أن يفتح ثغرة لسلام مع دولة فلسطينية على أساس الحدود وترتيبات أمنية لصالح (إسرائيل)".
