غزة - رشا بركة - صفا
بمكالمة هاتفية انتهى كل شيء؛ تبددت أحلام سلمى وسنا وسجى وعبد الرحمن في منزلهم الجديد، ورقدت كلها تحت الرماد بصاروخ حربي إسرائيلي لم يرحم مطلقه استغاثتهم إياه بألا يقصف المنزل وأن يتركهم يعيشوا بسلام. وبتلك المكالمة الطويلة بين المواطنة بيّان الشواف (أم عبد) ومتصل قال إنه من جيش الاحتلال أٌطفئت فوانيس رمضان مبكرًا وألغِي عيد الفطر قبل أوانه. وفي أغرب مكالمة يجريها الاحتلال في عدوانه على منازل المواطنين الآمنين في القطاع، تجّلى صمود عائلة الشواف في منزلها ببلدة عبسان الكبيرة شرق مدينة خانيونس حتى الرمق الأخير، كما تعطش الاحتلال للقتل والدماء. [title]إصرار على القتل[/title] وتقول : " كان زوجي خارج البيت وأطفالي الأربعة نيام والساعة الـ12 ونصف ليلاً، فجائني اتصال على جوالي؛ وإذ بشخص يسألني: بيان؟ قلت نعم من أنت وماذا تريد، أجابني: أخرجي من المنزل، فقلت له أنا وحيدة في البيت مع أطفالي ولا أستطيع حملهم لوحدي لأن زوجي غير موجود، فأجابها: أعلم ذلك أخرجي من المنزل". ولمّا أصرت الأم على البقاء رغم تهديدها بقصف المنزل فوق رأسها هي وأطفالها أقفل الاتصال، لكن أهلها تفاجأوا باتصال هاتفي ردّت عليه أمها ظانة أنه زوج ابنتها يريد أن يطمئنها عليهم فأخذت بالحديث معه وهو يستمع إليها وفي النهاية قال لها: "معك جيش الدفاع" فسألته ماذا تريد؟، فردّ حرفيًا :قولي لابنتك بيان تخرج من المنزل نريد قصفه. في ذلك الوقت كان الاحتلال قد قصف المنزل بصاروخ تحذيري سقط على إحدى غرفه ولم يكن أهل بيّان يعلمون بذلك. شعرت الأم بخوف شديد على ابنتها وأحفادها فحاولت إقناع المتصل بالتراجع عن قصف المنزل قائلة "حرام عليكم أين ستذهب بأولادها، حينها أقفل الاتصال فجأة، وعاود مرة أخرى فرد شقيقها ليتفاجأ بالمتصل يسأله: أنت عبد؟ قال نعم ما المطلوب؟ فرد عليه: اذهب وأخرج أختك من المنزل، فرد عليه: لن أفعل ولن تخرج أختي هي تريد أن تموت شهيدة وإحنا بدنا رجال. بهذه العبارة أثيرت حفيظة المتصل، فقال لشقيق بيّان: أتريد رجال؟ اذن فردد معي. وأخذ يعد تنازليًا من الـ30، وحينما وصل إلى رقم 26 قصف المنزل بصاروخ إف 16. لم يكن أمام عبد شقيق بيان حينما سمع صوت الصاروخ إلا التكبير، حينها قال له جيش الاحتلال: اذهب وخذ أختك أشلاء ها هي أصبحت شهيدة كما تريد. في تلك اللحظات كان منزل بيان مراقب عبر طائرة "الزنانة" وقد تلقت اتصال هي الأخرى قبل ثواني من قصف المنزل يهددها بعدم أخذ أي أوراق أو أغراض أو أجهزة معها وإلا سيتم استهدافها، فاضطرت للخروج من باب خلفي إلى منزل عمها. وتقول " قصفوا البيت ظانين أنني بداخله وهم يريدون الانتقام مني لأني لم أستجب لطلبهم بالخروج، لكني خرجت ليس إلا حفاظًا على أولادي". [title]انتهى كل شيء[/title] وبانتهاء هذه المكالمة، أحرق الاحتلال فرحة العائلة بمنزلها الجديد الذي لم يمر على استكماله سوى أسبوعين، كما تحوّل المباركون لهم بالمنزل الجديد إلى مواسين لهم على هدمه. وكما تقول "من أسبوعين بدأ المباركون من أقاربنا يتوافدون علينا حاملين معهم الهدايا ليهنئونا بمنزلنا الجديد بعد أن جعلناه جنة وكان أطفالي فرحين بغرفهم الجديدة التي جهزتها لهم أنا ووالدهم". وبقصف المنزل دفنت أيضًا كل الأشياء الجميلة التي كانت تجمع عائلة الشواف فأطفأ الاحتلال فانوس رمضان وقتل بحرق ملابس العيد التي كانت قد جهزتها الأم مبكرًا فرحتهم به قبل أن يستقبلوه. وكما تقول الأم (29عاما) "اشتريت لهم كل شيء للعيد منذ بداية رمضان حتى أرتاح من زحمة السوق، لم أترك شيئا إلا وجهزته، وكان أولادي فرحين بعد أن وضعوا ملابسهم في دولاب غرفتهم الجديدة وهم ينتظرون العيد يوما بعد يوم". ولكن الاحتلال الذي هدد الأم بأنه سيستهدفها شخصيًا إذا ما اصطحبت معها شيء أرغمها على الخروج بأطفالها فقط، فتحول كل شيء هباءً منثورًا. [title]لا أثر له[/title] وفي أول عودة لهم لتفقد المنزل بعد القصف تفاجأ الصغار بعدم وجود أي أثر له وما كان منهم إلا أن بكوا بشدة متسائلين حتى عن ركامه، ولم يعلموا حينها أن قوة وضخامة الصاروخ حوّلته لرماد وسوّته بالأرض. اندفعت سلمى (7أعوام) نحو أمها وقالت "أمي أين بيتنا؟"، فأجابتها الأم بصوت يكاد يختفي من شدة الحسرة "ها هو ياماما هذا هو بيتنا انظري جيدًا ستجديه منزلنا". فيما صرخت ابنتها سجى (4 أعوام) ببراءة : "ماما أريد لعبتي عروستي وضعتها تحت السرير". كما قتل الصاروخ الإسرائيلي فرحة الأطفال بشهادات التفوق التي حصلوا عليها نهاية العام الدراسي، لكنهم وبالرغم من هذا الدمار يلحون على أمهم بطلبهم استعادة الشهادات وملابس العيد وغرفهم وألعابهم. وتقول "رغم كل شيء سأعمل المستحيل لأعوضهم الأشياء التي فقدوها، وسأذهب إلى المدرسة والروضة وأسحب نسخ من شهادات التقدير وسنبني بيتنا مرة ومرات لأثبت لليهود وعملائه أننا سنعيش وكما نريد رغمًا عن أنفهم".
