غزة – صفا
تلتقي الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في اتفاق الإطار المقترح ضمن مفاوضات التسوية إلى هدف أوحد وأبرز يقوم على تصفية نهائية لقضية عودة اللاجئين بين شطبها نهائيا أو إرغام السلطة الفلسطينية على قبول حد أدنى لها. وتكشف مصادر متطابقة مطلعة على مسار المفاوضات تحدثت لوكالة "صفا"، أن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري ركز في ضغوطه على الوفد الفلسطيني المفاوض على تمرير تسوية نهائية لقضية اللاجئين. وتوضح المصادر أن كيري عرض تمكين 80 إلى 100 ألف لاجئي فقط من العودة إلى داخل الكيان الإسرائيلي على أن يتم توطين البقية في البلدان التي يقيمون بها وفي دول أخرى. وبحسب المصادر ذاتها فإن العرض الأمريكي لا يتعدى السماح بأقل من نصف مليون لاجئ إلى داخل حدود الدولة الفلسطينية عند قيامها بموجب اتفاق التسوية. وحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء، فإن عدد اللاجئين المقيمين خارج أرض فلسطين التاريخية يبلغ ما يقارب 5.2 مليون لاجئ في الدول العربية ونحو 665 ألف في دول أجنبية. ووفق نفس الإحصائيات فإن عدد السكان في الأراضي الفلسطينية يتوزعون بين 2.8 مليون في الضفة الغربية، و1.7 مليون في قطاع غزة، وتشكل نسبة اللاجئين منهم نحو 44.2%. ويعد ما يطرحه كيري تبني لما سبق وعرضه الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد للتسوية عام 2000. وترى المصادر أن الخطير في مداولات المفاوضات الجارية ليس احتمالات التوصل لاتفاق نهائي بقدر ما هو فرض مرجعية جديدة لقضية اللاجئين خصوصا، تقوم على شطبها من ملفات قضايا الوضع النهائي. وأعلن رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارا رفضه أي تجاوب مع مطالب الفلسطينيين بخصوص عودة اللاجئين. [title]اقتراحات عباس[/title] في المقابل تشير المصادر المطلعة على مجريات المفاوضات، أن الرئيس محمود عباس طلب من كيري رفع عدد اللاجئين المسموح بعودتهم سواء إلى داخل الكيان الإسرائيلي أو الدولة الفلسطينية دون أن يبتعد كثيرا عن الأرقام المطروحة. وتوضح المصادر أن عباس طلب عدد من يسمح بعودتهم إلى داخل الكيان 200 إلى 250 ألف فقط وهو طلب رغم كونه يمثل حد أدنى لا يقاس مع أعداد اللاجئين يقابل برفض إسرائيلي وأمريكي مشترك. وسبق أن أعلن عباس رسميا أمام أكثر من مائتي طالب وناشط شبابي إسرائيلي اجتمع بهم في مقره بمدينة رام الله في 16 فبراير الماضي، أنه لا ينوي "إغراق" الكيان الإسرائيلي باللاجئين لتغيير ما وصفه تركيبتها الديمغرافية. وشدد عباس على أن كل ما يريده الفلسطينيون وضع ملف اللاجئين على الطاولة لحله بحلول خلاقة ومتفق عليها وبشكل يرضي اللاجئين أنفسهم. وعادة ما يكرر عباس تمسكه بحل قضية اللاجئين وفق ما نصت عليه مبادرة السلام العربية التي أطلقت في القمة العربية التي عقدت في العاصمة اللبنانية بيروت عام 2002. وتنص المبادرة العربية بشأن حل قضية اللاجئين على: التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وجاء في الفقرة 11 من قرار 194 بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة "تقرر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة". ويدعو القرار إلى تطبيق حق العودة كجزء أساسي وأصيل من القانون الدولي، ويؤكد على وجوب السماح للراغبين من اللاجئين في العودة إلى ديارهم الأصلية، والخيار هنا يعود إلى صاحب الحق في أن يعود وليس لغيره أن يقرر نيابة عنه أو يمنعه، وإذا منع من العودة بالقوة، فهذا يعتبر عملاً عدوانياً. ويعد حق العودة مكفول بمواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 ديسمبر 1948، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 13 على الآتي: لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده. وقد تكرر هذا في المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان مثل الأوروبية والأمريكية والإفريقية والعربية، وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا (إسرائيل) وبعد اتفاقية أوسلو عارضته أمريكا. [title]استنزاف لشطب القضية[/title] يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الستار قاسم، أن ما يجرى في مفاوضات التسوية الجارية يمثل "استنزافا" للشارع الفلسطيني لشطب قضية اللاجئين، مشيرا إلى أنها تحولت لمثار سخرية بقدر ما تم النزل بسقف المطالب الخاصة بها. ويعتبر قاسم، أن مفاوضات التسوية أهلكت اللاجئين ذهنيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا، خصوصا أنها تدور في حلقة فارغة منذ سنواتها الأولى وهو ما يجعل أي فلسطيني يسأل نفسه "إذا كانت القيادة الفلسطينية تتصرف هكذا في قضايانا فما شأني أنا ؟"، والمعنى أن المفاوضات أثرت على مجمل حقوق الشعب الفلسطيني وليس فقط على اللاجئين. ويشير قاسم، إلى أن المفاوضات تسببت بتهتك اجتماعي وانهيار أخلاقي وهذا معناه أن الوضع بالنسبة للقضية الفلسطينية قريب من الاضمحلال بمعني استمرار الرجوع إلى الوراء. وبنظر خبراء فإن أكبر خطر يواجه قضية اللاجئين يتعلق بالموقف الرسمي للرئيس عباس ووفده المفاوض من أن حق اللاجئ هو حق شخصي يختار بموجبه اللاجئ بين العودة أو التعويض والتوطين. وبهذا الصدد يشدد قاسم، على أن حق العودة هو حق وطني أولاً وأخيرا، وكل من باع أرضه لإسرائيل مثلا فهو لم يتصرف بحقه الشخصي وإنما باع حق للشعب الفلسطيني بأكمله، معتبرا أن اي تنازل شخصي عن حق العودة هو "كلام ساذج". وانطلاقا من اعتبار حق العودة حق شخصي فإن الترويج بموازاة المفاوضات يجرى على نطاق واسع ضمن تفاهمات التسوية النهائية بعروض مغرية لتوطين اللاجئين في عدة دول أبرزها كندا وأستراليا. وسبق أن أعلن عباس خلال استضافته رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر في رام الله في 20 يناير الماضي، أن كندا سيكون لها دور رئيسي في حل قضية اللاجئين واستيعابهم عند التوصل لاتفاق تسويه نهائية. ويقول قاسم بهذا الصدد إن عباس يشجع على التوطين الخارجي للاجئين والسلطة الفلسطينية لا يوجد لديها أي سياسة عرقلة تجاه هجرة الشباب الفلسطيني للخارج ضمن تصفية شاملة لقضية اللاجئين. ويضيف قاسم أن السلطة تبدو وكأنها تنظر إلى قضية اللاجئين باعتبارها معيق لعملية السلام وهو ما يجعلها لا تصر على شيء ولا ترفض التوطين، وليس أدل على ذلك من تنازل عباس عن حقه الشخصي في العودة إلى صفد التي ينحدر منها وإعلانه ذلك مرارا. ويختم قاسم، بأن حل قضية اللاجئين لن يكون إلا بقوة السلاح "فاليهود إذا لم يندحروا في ميدان المعركة عن أرض فلسطين فلن يسلموا للفلسطينيين بأي حق خصوصا عودتهم لأرضهم ".
