بهذه الكلمات استهل المواطن أنور بعلوشة (38 عاماً) حديثه عن المجزرة التي نفذها الطيران الحربي "الإسرائيلي" وفقد خلالها (5) من بناته ودُمر منزلة المكون من طابق واحد مغطى بالأسبست جراء استهداف مسجد عماد عقل شمال قطاع غزة بصاروخ أطلقته طائرة "إف 16".
وبحجم المأساة والمعاناة التي ألمَّت بالمواطن بعلوشة وأسرته إلا أنه زين كلامه بكلمات "الحمد لله على كل حال" خاصة أنه على موعد قريب مع مولود جديد بعد أشهرٍ قصيرة يعوض خُمس المأساة التي فجعته خلال الحرب الوحشية على غزة.
قصة المجزرة
كانت بداية المجزرة في منتصف ليل اليوم الثالث للحرب التي شنها الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر واستمرت 23 يوماً في الفترة الواقعة بين 27 ديسمبر 2008، إلى 18 يناير 2009.
ويقول بعلوشة في حديث لـ"صفا": "مساء اليوم الثالث للحرب وبالتحديد في تمام الساعة 10:30 ذهبنا للنوم كل في غرفتي، علما أن حائط منزلنا ملاصق لحائط مسجد "عماد عقل" ولم نكن نتوقع أن يتم قصف المسجد بتاتاً".
ويضيف وقد بدا ألم الفراق واضحاً على معالم وجهه الحزين "فجأة استيقظت بعد ساعتين تقريباً من النوم وأنا أردد الشهادتين وأقول الله أكبر ولم أكن أعرف ما الذي يجرى بالتحديد، نظرت مِن حولي فلم أرى جدران المنزل ولا أسقف".
ويتابع بعلوشة وهو أب لـ (8) بنات وطفلٌ وحيد "كانت المياه تسيل فوقي أنا وزوجتي بسبب تمزق خزانات المياه التي كانت فوق منازل الجيران"، مشيراً في ذات الوقت إلى أنه لم يسمع صوت الانفجار نظراً لقربه من المكان.
لحظات قصيرة وأدرك بعلوشة أن منزله دُمر جراء قصف استهدف المسجد، فبدأ برفع أكوام الحجارة عن جسده ليقوى على الحركة ليطمئن على أهل منزله، فيما شرعت زوجته في تخفيف الأحجار التي تناثرت فوقها لتطمئن هي الأخرى على أولادها وبناتها.
تمكَّن بعلوشة من الخروج من تحت أكوام الحجارة لينقله أحد من هرعوا للإنقاذ إلى مستشفى كمال عدوان، لكن زوجته تمكنت من انتشال طفليها من تحت الركام وهم، محمد وكان عمره حينها "عاماً ونصف"، وبراءة "13 يوماً" وهما نائمان في غرفة والديهما.
بعد أن وصل بعلوشة للمستشفى وقدم له الأطباء العلاج اللازم، بدأ يسأل عن بناته النائمات في غرفة واحدة داخل المنزل المُدمر وعددهن (7)، "تحرير 18عاماً ، إكرام 14عاماً، سمر 12عاماً، دينا 8 أعوام، جواهر 4 أعوام، إيمان 17 عاماَ، سماح 12 عاماً".
ويقول: "كان بعض الجيران واقفين عندي في المستشفى ولم يتمكنوا إخباري أن (5) من بناتي قد استشهدن في القصف وأخبروني أن واحدة فقط استشهدت فدخلت في حالة إغماء بعدها مباشرة".
مع مرور الوقت في المستشفى عَلِم بعلوشة باستشهاد (5) من بناته فيما نجت اثنتين منهمن وهن "سماح وإيمان"، إلا أنه لم يتمكن من أن يصف وضعة حينما عرف باستشهاد بناته، واختصر قائلا: "كانت لحظات صعبة".
ذكريات جميلة
ويستذكر بعلوشة اللحظات الجميلة التي عاشها بجوار بناته، فيما تفتقدهم الأسرة بأكملها الآن مع حلول كل مناسبة وتعيش ظروفا قاسية بعد أن رحلت خمس زهرات متفتحة تاركات خلفهن سيلاً كبيراً من الأحزان لا تستطيع الأيام محوها من الذاكرة.
ويتحدّث الفلسطيني بعلوشة عن ابنته الكبيرة "تحرير" قائلا: "كانت الابنة المدللة وهي تحب القراءة والعلم وهي في الصف التوجيهي"، مضيفاً "كنت أرغب أن أعلمها في الجامعة".
ويشير إلى أنه عندما تم انتشال تحرير من تحت الأنقاض التي تناثرت فوقها وشقيقاتها وجد المواطنون مصحفا شريفا تحت رأسها.
أما "إكرام" فيقول والدها عنها: "كانت تساعدني كثيراً في عملي في سوق معسكر جباليا حينما كنت أبيع الكعك، وكنت أعتمد عليها كثيراً في تلبية طلباتي".
ويصف بعلوشة ابنته "سمر" بأنها تميزت بالشقاوة وأنها كانت تساعده هي الأخرى في بيع الكعك، وقال "كان شقيقها محمد شديد الشقاوة وكانت هي المتوكلة فيه وكانت بمثابة أمه الثانية".
أما "دينا" فيؤكد والدها أنها كانت تحب دراسة اللغة الإنجليزية وهوايتها الرسم وكانت متعلقة بوالديها، في حين يقول عن "جواهر": "كانت تتميز بطلباتها الكثيرة وتطلب شواكل كثيراً".
بعلوشة الذي لم يتمكن من إكمال دراسته وخرج من المدرسة من الصف الثالث الإعدادي أكد أنه كان يحلُم أن يُعَلّم بناته في الجامعة على الرغم من وضعة المادي الصعب الذي يعاني منه.
وأردف "كنت أرغب في تعليم ابنتي الكبيرة تحرير ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل قتلوها قبل أن أفرح بها".
ويكمل المواطن بعلوشة حديثة بالإشارة إلى أنه عقب وقوع جريمة قتل بناته، عَرِف من بعض المواطنين أن وسائل الإعلام الإسرائيلية ذكرت أن المسجد الذي قُصفَ كان يؤوي الجندي الإسرائيلي الأسير لدى فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة "جلعاد شاليط".
ولفت إلى أن القاضي الجنوب أفريقي رئيس لجنة تقصى الحقائق الأممية ريتشارد غولدستون زار أسرته لمعرفة ما جرى للعائلة خلال الحرب وتم تزويده بكافة المعلومات حول المجزرة وما حل بتلك العائلة بعد أن فقدت (5) شقيقات.
ولازال المواطن بعلوشة وعائلته يأملون في أن يتم مقاضاة جنرالات الاحتلال على ما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية عصفت بالحجر قبل البشر في قطاع غزة، مؤكداً أنه مهما قُتل من الفلسطينيين فإن أجيالا ستتوالى.
وتحاول عائلة بعلوشة بألم ومعاناة ومأساة لملمة جراحها داخل بيت تُقيم فيه بالإيجار كما مئات العائلات التي غيب العدوان الإسرائيلي الأخير أبنائها، ليبقى التساؤل: "متى سيُحاكم الجلاد وتنتصر الضحية؟".
