web site counter

محرقة الشفاء..سمومها تزيد معاناة المرضى والجيران

يظن المار بالقرب من منصة استقبال قسم العظام في الطابق الثالث في مجمع الشفاء الطبي أن الطبيبة إلهام انضمت إلى واضعي الكمامات الخضراء خشية الإصابة بفيروس "H1N1" الذي ظهر في غزة مؤخراً.

 

لكن "إلهام" تنفي أنها تضع تلك الكمامة لمجرد خشية الإصابة بمرض أنفلونزا الخنازير فقط؛ بل تضعها يومياً تجنباً للدخان الأسود المنبعث من "محرقة" مخلفات المجمع الطبي الواقعة خلف المستشفى، والتي تقول إنها تعمل بكفاءة منخفضة وفق تقرير منظمة الصحة العالمية.

 

ويلاحظ من يزور المستشفى التي تستقبل نحو ألفاً من المواطنين يومياً ما بين زائرٍ ومريض وفق إحصائية المستشفى انبعاث روائح من محرقة مخلفات المستشفى الطبية من أوراق ومواد بلاستيكية وحقن تستخدم لمرةٍ واحدة لا بد من التخلص منها فور استخدامها.

 

ورغم أن مدينة غزة جزء من قطاع يوصف أنه الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، فهناك الآلاف الذين يقطنون على مقربة من مجمع الشفاء والذين يعايشون انبعاثات المحرقة ويتنفسون ما تحرقه يومياً في أفرانها والتأثير على صحتهم سلباً.

 

ويُقر مدير عام مجمع الشفاء الطبي حسين عاشور أن المحرقة كانت في بداية عملها مطابقة للمواصفات العالمية لشروط الإحراق، لكن مع مرور الزمن فقدت الكثير من كفاءتها وغدت مجرد آلة إحراق غير فعالة.

 

وأوضح عاشور أن تلك المحرقة باتت تستوعب مخلفات ورقية وأخرى قماشية لا يتوجب إيداعها في المحرقة، ولقلة خبرة العاملين فيها خلال الأربع أشهر الماضية كانت تشهد تزايداً في الانبعاثات الدخانية السامة.

 

وتقول الطبيبة إلهام، وهي أخصائية عظام في المستشفى، "وفق تقديري فإن الغازات التي تنفثها أفران محرقة المستشفى تحتوي غاز الديوكسين".

 

أدخنة قاتلة

ويسمى غاز "الديوكسين" Dioxin الغاز القاتل أو السمّ الأصفر، لتر واحد منه يكفي لإبادة مليون شخص في الحال وإصابة مليون آخر بالأمراض والعاهات"، هذه فقط "بعض" تأثيرات الغاز المسرطن الذي ينتج عن محارق النفايات الطبية، وفق بحثٍ علمي نشرته جامعة دمشق حول (إدارة النفايات الصلبة) عام 2001.

وتتابع الطبيبة إلهام أن الكثير من هذا الغاز الناتج عن حرق المواد البلاستيكية بشكلٍ جزئي نتيجة خلل في ضبط حرارة الاحتراق اللازمة وفق المعايير الدولية يؤثر على صحة الحوامل، الأمر الذي قد يدفعهن للإجهاض.

وخلافاً للروائح المزعجة والتي تكون أحياناً على شكل غازاتٍ شفافة دون لونٍ معين، فإن العديد من الأطباء العاملين خلال ساعات النهار يعانون من تهيج العيون مع مطالباتٍ بنقل مكان المحرقة، لكن لم تتم الاستجابة حتى اللحظة. كما تقول الطبيبة.

 

ويضم مجمع الشفاء الطبي أقساما متعددة من مختلف التخصصات وهو مجهز بنحو 550 سريراً وست غرف عمليات، أما المحرقة فقد بدأ العمل بها قبل نحو 20 عاماً، تستخدم للتخلص من النفايات الطبية الصلبة للمستشفى والمستشفيات الأخرى المجاورة.

 

ويشكو سليم أبو حصيرة (27 عاماً) الذي يعمل في أحد المتاجر المقابلة لمستشفى الشفاء أنه يقف أحياناً على بعد بضعة أمتار من متجره لتجنب رائحة الدخان المنبعث من المدخنة، أو قد يضطر لإقفال باب متجره محتفظاً بلوحة "المحل مفتوح" من خلف زجاج الباب.

 

أما المواطن يوسف عرفات (44 عاماً) فيقول ساخراً إنه أصبح يتمنى استنشاق هواءٍ نظيف في الصيف أو حتى الحصول على بعضٍ من أشعة الشمس الدافئة شتاءً، وأضاف "إذا فكرت في الخروج من المنزل لبضع الوقت، فإن ذلك الدخان سيلاحقني حتى على غسيل العائلة المصطف على حبال الغسيل".

 

ويقول مدير مجمع الشفاء الطبي لـ"صفا": "إن العديد من شكاوى المواطنين القاطنين بجوار مجمع الشفاء الطبي وصلت إلى الإدارة تفيد بتعرضهم للأدخنة السوداء المتصاعدة من مدخنة المحرقة واضطرارهم لإغلاق النوافذ حتى خلال أشهر الصيف الحارة".

 

ويضيف عاشور أن هناك بروتوكولاً خاصاً من مسئول الرعاية الأولية في وزارة الصحة يوصي بضرورة تأهيل هذه المحرقة ونقل مكان عملها إلى مكان مفتوح وفي منطقة تقل فيها نسبة السكان المحيطين بالمكان تجنباً للأضرار. "ونحن بانتظار تطبيق هذا البروتوكول".

 

ويشرح عاشور أن قطاع غزة يفتقر إلى مكب للنفايات، خصوصاً في ظل عدم وجود أرض خلاء مفتوحة يتم تخصيصها كمحرقة ومدفن لتلك المواد المحترقة.

 

ويشرح فوزي طافش الموظف المسئول في محرقة مستشفى الشفاء أن درجة حرارة المحرقة تصل إلى 700 درجة مئوية فقط، في حين يؤكد الطبيب حسين عاشور أنه "يجب أن يتم الحرق على درجات حرارة تفوق الألف مئوية لتقليل كثافة الدخان المنبعث منها".

 

وأوضح طافش الذي كان يرتدي كمامةً خضراء أنه يتلقى أسبوعياً مخلفات معبأة تضم حقن وعبوات من الدم الفاسد وأدوية منتهية الصلاحية من المستشفيات الحكومية والخاصة في شمال ووسط قطاع غزة لإتلافها في "محرقة الشفاء".

 

/ تعليق عبر الفيس بوك