في العام 1100 ميلادي وصل إلى مدينة القدس "حسام الدين الجراحي" الطبيب الجراح لصلاح الدين الأيوبي، وسكن في منطقة قريبة من المسجد الأقصى المبارك، وبعد سنوات توفي في نفس المنطقة، وبنيت زاوية حملت اسمه "الزاوية الجراحية".
ومنذ ذلك الحين عرفت المنطقة الواقعة في قلب مدينة القدس، والمحاذية للبلدة القديمة منها باسم "الشيخ جراح" تيمنا باسم الأمير الأيوبي.
مغارة قبر الولي
ومنذ اليوم الأول لاحتلال المدينة في العام 1967، كان حي الشيخ جراح "الأيوبي" هدفا للجماعات الاستيطانية والحكومة الاحتلالية للسيطرة عليه وتهويده.
وتقول الناشطة في حي الشيخ جراح آمال القاسم: "إن الجمعيات الاستيطانية بدأت العمل في الشيخ جراح بعد استيلائها على أحد قبور الأولياء المحليين والذي يقع في مغارة في الحي، حيث تم الاستيلاء على قبر "الشيخ السعدي" بدعوى أنه قبر أحد الحاخامات اليهود "هالتصديق شمعون".
وقد سكنت العائلات اليهودية في مقام الولي وغيرت جميع اللافتات العربية لتحل العبرية التي تشير إلى الاسم اليهودي، وأسست جمعية استيطانية عرفت باسم جمعية "هالتصديق شمعون" وبدأت تنتشر في الحي وتستولي على الأحياء هناك.
وتتابع القاسم في حديثها لـ"صفا": "أعقب الاستيلاء على قبر الولي احتلال طلاب يهود من المدارس الدينية، لخمسة منازل قرب الضريح، وحولوا أحدها إلى كنيس يهودي، كما وتولت حكومة "إسرائيل" إسكان سبع عائلات يهودية في منازل فلسطينية طرد سكانها، ويتم حراسة أفراد هذه العائلات على مدار الساعة".
ولم يقف الأمر عند هذا الحد في حي الشيخ جراح، فقد بدأت الجمعية بالانتشار ومحاولة وضع يدها على كافة المرافق والمعالم الثقافية والتاريخية في المنطقة، حتى العام 1990 حيث بدأ تطبيق الخطة الرسمية لتهويد المنطقة والسيطرة عليها.
لمنع تقسيم القدس
ويقول رئيس دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق في القدس المحتلة خليل التفكجي لـ"صفا": "إن ما يجري في القدس في هذه الأيام هو تطبيقا لمشروع "آرائيل شارون" في العام 1990 عندما دعا إلى إقامة 26 بؤرة استيطانية في قلب القدس لتحقيق هدفين رئيسين".
![]() |
| حي الشيخ جراح بالقدس |
وأوضح أن هدف الاحتلال الأول تمثَّل في ألا يتم تقسيم مدينة القدس مرة أخرى بمعنى أن القدس المحتلة، بشقيها الغربي والشرقي، عاصمة للدولة اليهودية وهي بشقيها مركزا للحياة العلمية والثقافية.
والهدف الثاني، بحسب التفكجي، هو عدم قيام دولة للعاصمة الفلسطينية وبناء عليه تم في العام 1990 وحتى الآن إقامة جزء من هذا المخطط فكانت مستعمرة باب العامود وجبل المكبِّر في منطقة جبل الزيتون، ثم الانتقال إلى منطقة الشيخ جراح.
وتنص الخطة بما يتعلق بالشيخ جراح على إقامة مستوطنة تقام فيها 200 وحدة سكنية تلتقي مع الشق الغربي من القدس بسلسلة استيطانية ثم تمتد باتجاه الشمال الشرقي، إلى كرم المفتي "حوالي 37 دونما" لإقامة وحدات سكنية استيطانية وبالتالي تشكيل خط استيطاني ضخم داخل الأحياء الفلسطينية ومركزها حي الشيخ جراح.
ولا يقتصر الخطر في الحي على المنطقة السكنية المكونة من 30 وحدة سكنية، كما يشير التفكجي، ولكن المخطط يشمل أيضا سلسلة من الفنادق والمراكز الحيوية الفلسطينية في حي الشيخ جراح.
ومن هذه المناطق (كرم المفتي) وهي أراضٍ تابعة لشركة الفنادق العربية، وبالقرب منه يقع كرم المفتي، الذي إذا تمكنت "إسرائيل" من تحويله إلى حي استيطاني، فإنها ستضمن تواصلا يهوديا من الشيخ جراح إلى حي وادي الجوز الذي يشهد هو الآخر هجمة استيطانية.
ويسعى الكيان الإسرائيلي أيضا إلى امتلاك مبنى في الشيخ جراح، هو فندق شيبرد، والذي كان مقرا للزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني، والذي تحول إلى ما يسمى بدائرة أملاك الغائبين بعد احتلال الشفق الشرقي من مدية عام 1967.
إلى جانب هذه المعالم، تقع في الحي بعض المعالم الثقافية مثل القصر الذي كتب وعاش فيه أديب العربية إسعاف النشاشيبي، والذي كان يعتبر مركزا للثقافة والأدب في البلدة القديمة من القدس المحتلة، والتي تسعى "إسرائيل" أيضا للسيطرة عليه.
ويشير التفكجي في حديثه إلى أنه في حال تم السيطرة على حي الشيخ جراح تكون الجمعيات الاستيطانية قد ضمنت البلدة القديمة كاملة يهودية خالية من المقدسيين العرب، وربط المستوطنات المقامة في القدس ببعضها البعض والسيطرة على المستوطنات المحيطة بالمدينة أيضا.
المنطقة الأرقى
وهذه المنطقة، وفقًا للتفكجي، تعتبر الأرقى في منطقة البلدة القديمة من القدس، والتي تسمى بمنطقة القناصل حيث يعيش القناصل الأجانب في القدس المحتلة، بالإضافة إلى ملاصقتها للجامعة العبرية.
ومن هنا كان إصرار الجانب الإسرائيلية على تهويدها وتحويلها إلى حي يهودي، فكما يقول التفكجي، استخدمت كل الأساليب القانونية عبر الجمعيات الاستيطانية والمحاكم والقضاة، في سبيل تهويد المنطقة والسيطرة عليها.
ولفت التفكجي إلى أن "إسرائيل" تقوم الآن بحسم الأمور بشكل متسارع في الحي، خوفا من مواقف دولية ضاغطة عليها، كما كان من الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الماضي حين تبنت قرارا يدعو الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مفاوضات حول القدس كعاصمة للدولتين.

