ما بين سطوة الاستيطان والمصادرة التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والإهمال الحكومي بتشجيع ودعم زراعة القمح في الضفة الغربية المحتلة، تتضاءل زراعة عنصر الأمن الغذائي الأهم بشكل كبير.
ويشير خبراء ومختصون زراعيون إلى أن الحاجة الفلسطينية السنوية من القمح في الفترة الحالية تبلغ (450 ألف) طن، بينما الإنتاج الفلسطيني لم يتجاوز 45 ألف طن، وهذا مؤشر خطير في نسبة الانتاجية.
ويزرع معظم القمح في الضفة الغربية وتحديدا في الأغوار الشمالية والوسطى، ويوضح المختصون أن العجز الفلسطيني في إنتاج القمح يبلغ 90%.
ويقول مسؤول الإغاثة الزراعية خالد منصور في حديث لوكالة "صفا": إن "الفرد الفلسطيني يستهلك في العام الواحد 120 كغم، بينما يستهلك الفرد في العالم 75 كغم"، ما يعني أن الشعب الفلسطيني متميز باستهلاكه للقمح، ويمثل العنصر الاستراتيجي الأول في أمنه الغذائي.
ويؤكد منصور أن السبب الأساس في تراجع زراعة القمح في الضفة الغربية يعود لتحكم الاحتلال وسيطرته على الأراضي الزراعية التي تنتج وتتميز بهذا المحصول، بل وصودرت مساحات واسعة منها لأغراض التدريبات العسكرية والاستيطان، وأصبحت تنتج الشيء القليل.
وبحسب منصور فإن أشهر الأراضي التي تشتهر بزراعة القمح هي مناطق البقيعة وطوباس وطمون والأغوار الوسطى وكانت تمثل سلة غذاء فلسطين من القمح وكل أنواع الحنطة.
ويؤكد أن هذه الأراضي تتميز بخصوبتها بحيث كانت تنتج أكثر من 30% من أراضي الضفة الغربية، بينما الآن معظم أراضيها مغلقة بأوامر عسكرية، فأصبحت زراعة القمح تتركز في مدينتي جنين والخليل.
ويشير منصور إلى أن المزارعين باتوا لا يسلمون من جرائم الاحتلال كإشعال الحرائق في حقول القمح ويتعمدون إجراء التدريبات في الأراضي المزروعة بالدبابات التي تمر داخل هذه الأراضي، كسهل يانون الذي يمتد من جنوب نابلس حتى الأغوار.
وينتقد منصور التقارير التي صدرت مؤخرا عن مؤسسات إعلامية وأغفلت الدمار الذي يلحقه الاحتلال بالقطاع الزراعي وبخاصة القمح، مبينا أن الاحتلال قضى على كثير من السهول بفعل شق الطرق الاستيطانية، وعرقلة عمل المزارعين ومصادرة المياه.
بدوره، يقول الخبير الزراعي المهندس ماهر جنيدي لوكالة "صفا" إن معظم تركز زراعة القمح في مناطق "ج" وتحديدا في الأغوار وبعض مناطق الجنوب، إلا أن عزوف المزارعين عن زراعة هذا المحصول يعود لممارسات الاحتلال في الأراضي من تدريبات عسكرية وإغلاقها بصورة متكررة.
المياه
ويوضح جنيدي أن المياه تشكل العصب الرئيس في زراعة هذا المحصول وتحسين إنتاجه، ولذلك فإن كميات الأمطار قليلة في كثير من المواسم ما يؤدي إلى عدم نجاح موسم القمح بالصورة المطلوبة.
ويلفت إلى أن مناطق الأغوار بالإضافة إلى ممارسات الاحتلال بحق الأراضي أصبح يسيطر كذلك على مصادر المياه التي يمكن أن تساعد المزارعين في نجاح الموسم حال شح الأمطار.
وبحسب جنيدي، فإن توجه الفلسطينيين لزراعة القمح المروي واجهت مشكلات في الضفة الغربية، لأن المناطق التي تحتوي كميات مياه وفيرة كمحافظتي طولكرم وقلقيلية لا توجد بها أراض سهلة وكافية لزراعة القمح بعكس أراضي الأغوار التي بها شح في المياه.
ويكشف جنيدي عن خطه كانت قد وضعتها وزارة الزراعة في حكومة سلام فياض عن مد خط مياه من قلقيلية وطولكرم إلى مناطق في جنين، إلا أن المشروع قوبل برفض من الاحتلال.
ويضيف أن المشروع تضمن إقامة سدود لاستغلال مياه السيول في الأغوار بحيث ينتج الدونم الواحد 600 كغم في الموسم، ولاقى نفس المصير.
بينما يرى منصور أن مشكلة شح المياه في الموسم المطري يمكن لها أن تحل من خلال عملية الري التكميلية وبالذات في الأغوار الوسطى.
الجدوى الاقتصادية
ومن أجل استدامة المزارعين في الاستمرار بزراعة المحصول، لا بد من تحقيق أرباح للمزارعين، وإيجاد الأدوية والدعم الحكومي والمحسنات الزراعية.
ويعزو منصور سبب انفكاك المزارعين عن زراعة القمح لعدم تحقيق جدوى اقتصادية وأرباح مجدية تمكنهم من الاستمرار في ذلك، ولجوء معظمهم لزراعة الخضروات والفواكه التي قد تدر أرباحا كثيرة.
ويقول إن زراعة القمح لم تعد مغرية مقارنة بزراعة الخضار، عدا عن استيراد قمح رخيص مقارنة بالمزروع محليا، والحاجة إلى سلالات جديدة لضمان إنتاج أكبر من إنتاجية "القمح البلدي".
ويدعو منصور وزارة الزراعة والمؤسسات والجامعات إلى بذل قصارى الجهود لمساعدة المزارعين في التقدم بمحصول القمح وعمل أبحاث لتحسين البذور خصوصا في ظل وجود بنك بذور فلسطيني.
وفي ذات السياق، يؤكد جنيدي أن تجارب أجريت على البذور، مشيرا أن القطاع الزراعي الفلسطيني يمتلك بذور محسنة بأصناف جيدة وخلال السنوات أنتجت كميات جيدة من القمح.
لكن جنيدي يحمل وزارة الزراعة مسؤولية التراجع في إنتاج القمح، سيما وأن الدول النامية والغنية تهتم بصورة مباشرة بهذا المحصول وتوفر له الدعم المادي والشامل لأنه محصول استراتيجي والدولة مسؤولة عنه.
ويلفت إلى أن الحكومة الفلسطينية دعمت مشروع تخضير فلسطين وزراعة آلاف أشجار الفواكه والخضروات حتى أصبح اكتفاء ذاتيا وفائضا في بعض الأصناف، وباستطاعتها دعم مشاريع لزراعة القمح وتزويد المزارعين بالبذور وتقديم الدعم المالي والمياه والأدوية وشراء القمح بأسعار مجدية للنهوض بمحصول القمح في فلسطين.
ويقول: "العامل السياسي موجود ولا نريد جلد أنفسنا بالاحتلال، ولكن باستطاعة الفلسطينيين تحدي الاحتلال للوصول إلى مناطق "ج" كما القضايا الأخرى".
