يرى ذوو الاحتياجات الخاصة أن المجتمع الفلسطيني لا ينظر إليهم بإيجابية على صعيد قدرتهم على العطاء، فقد أنصفهم القانون وظلمهم الواقع، وهذا يعمق حالة العجز لديهم ويبقيهم في دائرة التهميش والعزلة.
واستبشر ذوو الاحتياجات الخاصة خيراً حين أقرت الحكومة الفلسطينية التاسعة برئاسة أحمد قريع قانوناً ينص على منح 5% من الوظائف الحكومية لذوي الاحتياجات الخاصة.
يقول رئيس الإتحاد العام للمعاقين في محافظة جنين رفيق أبو سيفين: "كنا نأمل أن يفتح ذلك باب الرزق لآلاف من المعاقين.. ولكن كحال كثير من القوانين ما زال حبرا على ورق".
تمييز سلبي
ويضيف أبو سيفين: "حين يأتينا معاق يطلب المساعدة في التوظيف حسب القانون نرفع أوراقه إلى المسئولين ويعدوننا خيرا، ومن ثم نفاجأ بعد أيام بتوظيف شخص آخر مكانه".
ويتابع: "الرد يكون بسماعنا للرد التقليدي (الشخص المتقدم غير لائق صحياً)، وهذا كلام عار عن الصحة".
ويؤكد "لا نقدم طلباً لأحد دون أن نتأكد من أنه لائق صحياً للوظيفة التي تقدم إليها، ولكنها ملاذ للمؤسسات للتهرب من الاستحقاق القانوني، ولأن الواسطة تلعب دوراً كبيراً في تحديد اتجاهات التوظيف".
ويروي أبو سيفين قصة "آمنة درا غمة" للتدليل على المضايقات التي يتعرض لها المعاقون داخل المؤسسات قائلاً: "لدينا موظفة مكفوفة تعمل في قسم الاستقبال في مديرية صحة طوباس، وهي مجدة في عملها".
ويضيف: "ذات يوم اتصلت بي واشتكت من مضايقات أحد زملائها الذي يتعمد أن يسبقها في الرد على هاتف المركز الذي تقف عليه لكي يثبت أنها مكفوفة لا تصلح للعمل".
ويستطرد أبو سيفين "قمت على الفور واتصلت بمدير صحة طوباس وقام بمعالجة الأمر وأثنى على أداء الموظفة وكفاءتها".
ويعد أن هذا السلوك من زميلها جاء نتيجة لوجود صورة نمطية في المجتمع حول المعاقين ودورهم في تحقيق التنمية.
رحلة عذاب
مروان محاجنة من قرية الطيبة غرب جنين، شاب يعاني من إعاقة بصرية جزئية وسبق له العمل باحثاً ميدانياً لفترات متقطعة في مؤسسات مختلفة، يقول: "لم أترك وزارة إلا وطرقت أبوابها، بعضها كان يقبل الطلب وأخرى كانت ترفض استقباله من الأساس".
وينتقد أداء المؤسسات التي تعمل في مجال الإعاقة، فهي لا تراه حسب قوله إلا من زاوية الرعاية الصحية وهذا غير كاف؛ لأن المطلوب هو رؤية شاملة في التعامل مع المعاق صحياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً.
ويضيف محاجنة: "في الثالث من شهر كانون أول/ ديسمبر من كل عام نحتفل بيوم المعاق العالمي ونقيم الدنيا ولا نقعدها من خلال المسيرات والأنشطة الجماهيرية، كله يبقى كلام ولا يخرج من دائرة الشعارات الرنانة".
ويقر مدير برامج التأهيل في الإغاثة الطبية علام جرار بأن قانون ذوي الاحتياجات الخاصة غير مطبق في كثير من المؤسسات.
ويضيف جرار: "نسعى جاهدين من أجل تحقيق التمييز الإيجابي لصالح المعاق، ولكن على أرض الواقع يوجد تمييز سلبي".
إصرار رغم الإحباط
وتروي نسيبة غانم من مدينة جنين التي تعاني من الشلل الدماغي، قصتها فتقول: "قررت أن أدرس السكرتاريا في كلية الطيرة، ولكن الكلية رفضت استقبال طلبي بحجة أنني غير مناسبة لهذه المهنة وهذا غير صحيح".
وتضيف: "التحقت بعد ذلك بجامعة القدس المفتوحة، وبالفعل حصلت على شهادة البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية بعد أن كابدت مشاق التعليم لسنوات، رغم أن عائلتي لم تحلم أن تراني يوماً أحمل شهادة جامعية".
وتتابع غانم بألم: "اصطدمت بعد ذلك بواقع مرير، فحين كنت أقدم أوراقي للوزارات كانوا يرفضون استقبال الطلب في كثير من الأحيان، وكنت أقول لهم: ماذا يضركم لو أخذتم طلبي"!!.
وتوضح أنه استقر بها المقام "موظفة على بند البطالة في بلدية جنين حيث كنت منتدبة في وزارة الشئون الاجتماعية، وبقيت في عملي 3 سنوات ونصف ليتم فصلي ضمن مئات العمال على بند البطالة مؤخراً.
وتعلق غانم على ذلك بمرارة: "لم يشفع لي تميزي في العمل والتقارير الإيجابية لمدرائي عني".
ولكن ما يميز نسيبة أنها فتاة تقدس العمل بغض النظر عن مردودة المادي، إذ استمرت في عملها بعد الفصل، بتفاني وإخلاص وفي جهد تطوعي دؤوب وروح مبادرة عالية لا تتوافر عند الأصحاء بدنيا وسط إعجاب الجميع بأدائها.
وتقول والدتها أم محمد: "إن العمل يعني الحياة والمكوث في البيت يعني الموت"، مضيفة: "حين أقارن بين سلوك ابنتي حين كانت تعمل وسلوكها بعد أن تم فصلها؛ أشبه ذلك بالفرق بين الحياة والموت؛ لقد تمكن 2 من إخوتها من دخول الجامعة بسبب عملها، وكانت تتكفل من راتبها بدفع أقساطهم الجامعية طواعية".
