web site counter

الشوق والحنين يغلب المغتربين عن قطاع غزة

أن يفرَّ الناس من السجون فهذا أمر طبيعي ومستساغ، ولكن أن يحنَّ البعض للعودة إلى السجن، فهذا شيء عجيب، إنه حال آلاف الفلسطينيين المغتربين عن قطاع غزة للعمل وكسب الرزق في دول العالم، تراهم والشوق يحرق أفئدتهم حبا وحنينا لحضن الوطن.

ويعيش مليون ونصف المليون فلسطيني في "سجن كبير" يُطلق عليه قطاع غزة، ويسيطر الاحتلال الإسرائيلي على بحره وجوِّه، وينشر أسلاكه الشائكة والالكترونية على حدوده الشرقية والشمالية، بينما تُحكم شدَّ وثاقه من الجنوب الحدود مع مصر.
 
في المقابل، يقيم آلاف المغتربين عن قطاع غزة ممن يحملون الهوية الفلسطينية في الدول العربية والغربية، وقد أجبرتهم الظروف وضيق الحال لتحمل مشاق الغربة، سعيا لحياة كريمة لأبنائهم وأهلهم.
 
ويرى المهندس سمير أبو حسن (48عاما) أن الحياة في الغربة ما هي إلا مرحلة انتقالية، فلو تحسنت فرص الحياة العملية في غزة، وأصبح هناك استقرار اقتصادي، فسيكون الوطن أجدر بأعمالنا، ونكون بذلك قد خدمنا أنفسنا ووطننا بدلا من تقديم خدماتنا لأوطان أخرى.
 
ويؤكد أبو حسن المقيم بالمملكة العربية السعودية الذي تحدث عبر الهاتف لـ"صفا" أن التفكير في العودة إلى الوطن يراوده كثيرا، إلا أنه وبسبب الظروف الحالية من الصعوبة بمكان تطبيقه.
 
ومع ذلك لا يخفي أبو حسن السيل الجارف من المشاعر الجياشة التي تنتابه كل حين، وتجعله يحنُّ إلى زيارة قريته في خان يونس، والاتكاء تحت ظلال أشجارها الوارفة، والتمتع بأنغام طيورها المغردة.
 
البحث عن فرصة
ولعل هجرة الكثير من الشباب والكفاءات الفلسطينية من غزة للبحث عن فرصة عمل بالخارج، يثير مزيدا من القلق في نفوس المغتربين عنه منذ زمن طويل، ولا يشجعهم لاتخاذ قرار العودة إليه.
 
يقول بلال أبو روك شاب فلسطيني مقيم بدولة الإمارات ويعمل بإحدى الشركات هناك: "حاولت أن أجد وظيفة في القطاع ولكن للأسف وجدت براتب ضئيل جدا لا يكفي الالتزامات".
 
ويضيف أبو روك (26عاما) "أن الشركات في القطاع لا تعطي الموظف حقه، فتستغل خبراته دون مقابل, بينما الشركات الأجنبية تستغل خبراتك ولكن بمقابل يرضيك".
 
ومع ذلك يعدَّ أبو روك الذي تحدث عبر الانترنت  لـ"صفا" نتيجة الغربة أننا نضحي بعمرنا ونفنيه بعيدا عمَّن نحب من أهلنا والأصدقاء الذين تربينا معهم تحت سماء واحدة وعلى تراب واحد، لنعيش في عالم جديد مقابل العمل وكسب المال.
 
مشاق الغربة
لكن أبو حسن الذي استقبل العديد من أبناء قريته من غزة، في بيته بمدينة جدة بالسعودية يشير إلى أنه لمس حالة من الإحباط واليأس في نفوس أولئك الشباب، الذين ضاقت بهم السبل في وطنهم، فاضطروا للسفر بحثا عن عمل.
 
ويبيِّن أبو حسن أن بعض الشباب الذي سافر للعمل في الخارج، لم تكن الأمور في البلدان التي سافروا إليها على النحو الذي رسموه في مخيلتهم، أو كما كانوا يتصورون، فقضية الحصول على فرصة عمل أصبحت أمرا شاقا ومتعبا.
 
ربما لهذا السبب قرَّر المواطن أكرم عزات في الأربعينات من عمره العودة إلى قطاع غزة، بعد غياب دام سبع سنوات، واستطاع بواسطة المال الذي وفره من بلاد الغربة، وبمساعدة من الأهل شراء سيارة نقل صغيرة.
 
ويشعر عزات الذي يسكن شرق خان يونس براحة البال، وهو يمارس عمله برفقة أبنائه، حيث يخرجون في ساعات الفجر الأولى ويعودون إلى البيت مع الغروب، بالقليل من المال الذي يكفي لقوت يومهم.
 
يقول عزات لـ"صفا": إن "العيش في كنف الأهل والأبناء، أفضل ألف مرة، من الهجرة للعمل بالخارج، بعيدا عنهم، ورغم المشقة في الحصول على لقمة الخبز هنا، فإن مرارة الغربة، وألم الفراق يتغلبان على أي شيء آخر".
 
القرار الصعب
ودفن الحصار المحكم المفروض على غزة منذ سنوات آمال وأحلام الكثير من الشباب الفلسطيني، الذي يطمح للعيش بكرامة فوق أرضه، وأصاب البعض بالإحباط وفقدان الأمل في مستقبل مشرق.
 
وحسب آخر إحصائية صدرت عن اللجنة الشعبية لكسر الحصار فإن أكثر من 85% من سكان قطاع غزة تحت خط الفقر فيما تعدت نسبة البطالة حاجز الـ65.%
 
يقول أحمد أبو رجيلة خريج قسم الحاسوب بجامعة القدس المفتوحة: "إن أصعب شيء في حياتك أن تصل لمرحلة تفكر فيها بالسفر من أجل العمل وتكون حينها مضطرا لترك الأهل والأرض التي تربيت عليها".
 
ويضيف أبو رجيلة (23 عاما)  "منذ أن تخرجت من الجامعة، لم أدخر جهدا في البحث عن وظيفة براتب مناسب، لكنني لم أجد أمامي إلا جدران الواقع الاقتصادي الصعب الذي نعيشه بسبب الحصار".
 
أبو رجيلة الذي يفكر في السفر إلى إحدى الدول الخليجية، بدا مترددا كثيرا في حسم هذا الموضوع، ويعيش حائرا بين اتخاذ قرار السفر أو قرار البقاء على أرض غزة.
 
عقوق الوطن
وعد أستاذ مشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بالجامعة الإسلامية الدكتور صالح الرقب ترك الوطن والاستقرار خارجه عقوقا يمارسه هؤلاء بحق وطنهم الذي ترعرعوا فوق ترابه، ويحرمون أبناء شعبهم من خبراتهم وقدراتهم، فيستجدون الغرباء لمساعدتهم.
 
ويقول الرقب لـ"صفا": أهم ما ينبغي على المسلم أن يعتني به هو "دينه ثم إعزاز وطنه ونصرة أمته وأهله، فما قيمة المال الوفير والمسكن المريح والوظيفة الممتازة والعيش الرغيد وأنت تارك لوطنك الذي يحتاج علمك وخبرتك!".
 
ويضيف باستنكار "أي عقوق تمارسه أيها المغترب لوطنك وشعبك وأهلك، خاصة وأهلك يرجون من الأجانب أن يساعدونهم ألست أنت أولى منهم بمساعدتهم؟!".
 
ويحذر الرقب من أن اليهود يحشدون طاقات يهود العالم للعودة إلى "أرض الميعاد" كما يزعمون وشبابنا المتعلم وحملة الشهادات العلمية يهربون من أرض الإسلام، أرض الرباط والجهاد أرض الصبر والمصابرة!.
 
ويقول "اعلموا أيها الفلسطينيون المغتربون الكرام أن هناك أحاديث كثيرة صحيحة في فضائل الشام عامة وفلسطين خاصة، وهي تبين أن هذه الأرض المباركة سيكون لها دور في تاريخ البشرية وقيادتها، فلم لا تكونوا أنتم ممن يشاركون في صنعه.
 
 

/ تعليق عبر الفيس بوك