تحول بيت طيني شُيدَ قبل مائة وأربعين عاماً، إلى مأوى للعشرات من عائلة عبد ربه شردوا من منازلهم بعد أن أضحت أثراً بعد عين، بفعل العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
ورغم أن عدداً كبيراً من هذه العائلة لم يعرف شكل هذا المنزل الذي تقطنه امرأة عجوز كانت آخر من تزوج فيه منذ أكثر من خمسين عاماً، إلا أنه أصبح الآن ملاذاً للمشردين منهم.
وتعد عزبة عبد ربه شمال القطاع التي تشرف على مخيم جباليا ويزيد عدد سكانها عن خمسة آلاف مواطن، من أكثر المناطق التي تعرضت للاجتياحات الإسرائيلية.
وكانت حرب غزة الأخيرة من أشد الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرضت لها العزبة، حيث استشهد فيها 250 فلسطينياً من بين 1435 شهيداً حصيلة شهداء العدوان، إضافة إلى تغير معالم المنطقة.
عادوا في يوم
الحاجة خوخة عبد ربه (73 عاماً) جلست أمام إحدى غرف بيت العائلة التي تبدو من الداخل كالكهف، لتتحدث والناجون اللاجئون من الأسر حولها عن هذا البيت الذي ينال مكانةً عظيمةً في قلبها.
"أنا آخر من تزوج في هذا البيت وأنجبت 11 من الأبناء، وأبي الذي توفي في الانتفاضة الأولى وكان عمره 92 عاماً لم يكن يعرف متى بُني هذا البيت لأنه قديم جداً" قالت الحاجة عبد ربه.
وبوجه تشكل بتجاعيد الحياة أضافت "الأحفاد تزوجوا وزوجوا أولادهم وانشغلوا عن هذا البيت الذي تربى فيه أصولهم بمشاغل الحياة".
وتابعت "في يوم وليلة الجميع عاد إلى أصله، إلى هذا المكان، جاء أولاد جدي عبد ربه وأحفاده مشردين، بنوا بيوتاً في سنوات وعمروا العزبة لكن اليهود ضيعوا الشقاء والتعب والباقي جاءوا عندي هنا".
ويلتف حول الحاجة "خوخة" عشرات الأطفال من أولاد أحفادها وأبناء العائلة، الذين هدم جيش الاحتلال منازلهم في العزبة، ولم يجدوا لهم مأوى حتى اللحظة.
فيما اضطر آخرون من العائلة للبحث عن شقق للإيجار نظراً لكثرة المشردين الذين يؤويهم بيت العائلة وضيق المكان.
حضن للمقاومين
وتتذكر جدة الأطفال أيام الحرب حيث تصفها بالقول "الحرب على العزبة جاءت عليهم كالعاصفة، ما كان بقدرتهم أن يأخذوا شيء، الجيش كان مجنون في القصف والقتل، حتى أن "أم محمود" جاءت وهي تبكي وتولول على حفيدي الذي قتلوه في بيته وبقي حتى خرجوا وانتهت الحرب".
وتندب الجدة أحفادها الذين راحوا شهداء في الحرب، قائلة "ليتهم جاءوا عندي لكنت خبأتهم بعيوني من غدر اليهود، كثير ما ترجيتهم أن يتركوا كل شيء قبل أن يدخل الجيش على المنطقة، لكن كل واحد كان متمسك ببيته وتعب عمره".
ولم تكن الحرب على غزة المدعاة الأولى للجوء أبناء عائلة عبد ربه إلى البيت القديم الذي يتكون من ثلاث غرف وفناء واسع، حيث احتضن أسر العائلة وعشرات الشبان الذين كان الاحتلال يطاردهم منذ حرب عام 1967.
الحاج إبراهيم محمد عبد ربه (78 عاماً) زوج الحاجة "خوخة" يستذكر تاريخ المنزل قائلاً:"هذا البيت حضن المقاومين والأبطال والملثمين في الانتفاضة الأولى وأولاد العائلة من الشباب والنساء عام 1965 وعام 1967 والانتفاضتين".
وأشار الحاج إبراهيم بيديه إلى إحدى الغرف، وهو يقول:" هذه الغرفة امتلأت أيام الانتفاضة بالشباب المقاومين، وأيام الحرب احتمى الرجال في نفس الغرفة، كان المكان ضيق والأهالي كثر، كانت المرأة تنام وهي جالسة وأبناءها في حضنها".
وكان بيت عائلة عبد ربه في الماضي كبيراً يضم أكثر من 7 غرف قبل أن يتم تقسيمه وإعادة تشييد أجزاء منه من قبل أحفاد الحاجة خوخة الذين يسكنونه، فيما بقيت الغرف الأساسية والفناء كما هو دون أي ترميم أو تجديد في شكله وقالبه.
ملعب للأطفال
عائلة أبو إبراهيم عبد ربه المكونة من 11 فرداً واحدة من الأسر التي لجأت إلى هذا البيت، بعد أن هدم منزلها، حيث يقضي الأطفال ساعات المساء والليل فيه، فيما يسرحون إلى بيتهم المدمر في العزبة ويقضون هناك ساعات النهار.
تقول الطفلة نسرين عبد ربه (12 عاماً) "كان المكان مرعباً هنا أثناء الحرب، خرجنا دون أن نأخذ من بيتنا شيء وجئنا عند الجدة خوخة".
وتنقل الطفلة شقاوة الأطفال الذين يقضون أوقاتهم في فناء البيت، تقول "إخوتي وبقية الأطفال يسببون لجدتي صداع من كثرة لعبهم، لكنها تتحملهم لأنها تحبنا وتحزن علينا وعلى بيوتنا التي دمرت".
