يشكو كثير من الصيادلة والمواطنين من تضارب أسعار بعض الأدوية بين صيدلية وأخرى مما قد يعني لدى البعض تلاعبًا في جودة الدواء ومصدره، ويقلل من مصداقية هذه المهنة لدى البعض؛ فإن كانت المنافسة محمودة في التجارة كونها تكون لمصلحة المستهلك؛ فإنها في الأدوية تحمل أبعادًا أخرى ليس أقلها التشكيك في صلاحية الدواء.
وتبرز هذه المشكلة أكثر بين الصيادلة أنفسهم منها بينهم وبين المواطنين، فبحسب لوائح نقابة الصيادلة في فلسطين فإن سعر الدواء موحد وليس خاضعًا للمفاصلة، ومن يخالف ذلك يتعرض لعقوبات شديدة قد تودي بمستقبله المهني، ومما يعطي الموضوع كثيرًا من الأهمية ما يتكشف يومًا بعد يوم عن ضبط أدوية فاسدة في أكثر من موقع.
مصدر للشك والريبة
يقول المواطن خالد الديراوي: "حدث معي عدة مرات أن اشتريت دواءً من صيدلية بسعر، وأجده في صيدلية أخرى بسعر آخر، وأحيانًا يصل الفرق بين 10-20 شيقل؛ وهذا يخلق الريبة لدي بأن يكون هذا الدواء مهرب أو فاسد".
ويشير الديراوي إلى أنه اشترى ذات مرة دواءً من صيدلية لا يوجد عليه ملصق نقابة الصيادلة الذي يحدد السعر؛ ولكن المشكلة أن الناس تهتم بالسعر وليس بأي شيء آخر، حسب قوله.
ويؤكد الصيدلاني معتصم لبدي والذي يعمل في إحدى الصيدليات في مدينة جنين شمال الضفة الغربية وجود هذه الظاهرة، ويقول: "للأسف يوجد صيدليات لا تلتزم بقوانين النقابة، وتخالف التسعيرة المحددة من قبلها، فلكل دواء تسعيرة، وحين يباع بأقل من التسعيرة يكون ذلك مخالفة صريحة للقوانين".
ويعد لبدي هذا التصرف من قبل بعض الصيادلة خطأً فادحًا، لأنه يقلل من المصداقية أمام المواطن، كما أنه يقلل من هيبة الصيدلي واحترامه وبالتالي احترام مهنته.
ولكن الصيدلانية عدن أبو سيف ترى أن محافظة جنين أقل محافظات الضفة الغربية معاناة من هذه الظاهرة مع الإقرار بوجودها، وتشير إلى أن هذه الظاهرة تنتشر أكثر في القرى منه في المدينة، وفي المحافظات الأخرى عنه في جنين.
خطر الأدوية المهربة
وتقوم نقابة الصيادلة بوضع ثلاثة ملصقات بألوان مختلفة على كل علبة دواء، وأي علبة دواء لا تحمل هذه الصفة تعد غير قانونية ويحاسب الصيدلي الذي يقتنيها؛ فالملصق الأسود يرمز للسعر، والأحمر لمصدر الدواء، والأخضر لترويسة النقابة؛ وهذه هي العلامة الفارقة على أن هذا الدواء قانوني أم لا.
ويشير لبدي بخطورة بالغة إلى عدم وجود "ليبل" على الدواء؛ لأن ذلك دليل على أنه غير مصادق عليه من قبل وزارة الصحة، وغير مرخص في دستور الأدوية الفلسطينية؛ فحسب قوله: "ليس كل منتج طبي إسرائيلي مرخص في الضفة الغربية، وليس كل منتج طبي فلسطيني مرخص في "إسرائيل"".
وتؤكد أبو سيف أن بعض الأطباء والصيادلة يقومون ببيع العينات المجانية التي تمنحهم إياها شركات الأدوية بسعر أرخص من التسعيرة القانونية؛ كما أن عددًا من الأطباء في الأرياف يبيعون هذه العينات للمواطنين مباشرة في العيادات مما يخلق فرقًا في الأسعار.
ويقر نائب نقيب الصيادلة في الضفة الغربية بلال الطاهر بهذه الظاهرة، ويعد تهريب الأدوية أحد أهم أسبابها، مضيفًا "لدينا ظاهرة الأدوية المهربة في الضفة، سواء تلك القادمة من المستعمرات، أو المهربة من الأردن عن طريق المعابر، وهي تباع بسعر أقل".
ويحذر الطاهر من أن خطورة الأدوية المهربة لا تمكن في مصدرها أحيانا، ولكن في أنها لا تنقل وتخزن بطرق سليمة، فمعروف أن من يهرب لا ينقلها وفق شروط السلامة، وقد توضع لفترات في أماكن وظروف غير صحية قبل أن تجد طريقها إلى الصيدليات.
ويؤكد الطاهر أنه لا ضمانة لصلاحية وفاعلية أي دواء لا يصل الصيدليات بالطرق الرسمية المتعارف عليها، وإن كان مصدره شركات معروفة.
إخلال بقسم المهنة
ويرى كثيرون أن وجود هذه المظاهر لدى فئات من الأطباء والصيادلة يعد مساسًا بقسم المهنة الذي يؤتمنون من خلاله على صحة الناس وحياتهم، كما أنه ينال من هيبة مهن يشار إليها بالبنان، "وبما أننا نعيش في مجتمع مفتوح على التهريب من كل الجهات، سيما منتجات المستعمرات يبقى لزامًا على الجهات الرقابية أن تضاعف جهودها للتخفيف من وطأة هذه الظاهرة".
ويدعو لبدي الصيادلة إلى الإلتزام بقانون النقابة الذي حلف عليه اليمين، لعدم فقدان مصداقيته وشرعيته.
وحول الإجراءات الرقابية التي تتخذها نقابة الصيادلة لمكافحة هذه الظاهرة، يقول الطاهر: "هناك رقابة تقوم بها لجنة تنظيم المهنة والتي بدأت بجولات في محافظات نابلس والخليل وبيت لحم، وستنتقل قريبًا لباقي مدن الضفة الغربية".
ويضيف الطاهر: "أي شكوى تصلنا، نقوم بالتحقيق فيها فورًا ونرسل لجنة تقوم بالتفتيش، وبعد ذلك يقوم مجلس النقابة بتحويل المدان إلى مجلس التأديب، الذي بدوره يقرر حجم العقوبة التي إما أن تكون غرامة، أو تصل أحيانًا إلى إغلاق الصيدلية".
ولا يرى الطاهر في تخفيض سعر الأدوية مساعدة للمواطن وتخفيفًا عنه؛ فسعر الدواء محدد من قبل لجنة مشكلة من وزارة الصحة والإقتصاد ونقابة الصيادلة؛ ولا مجال للتخفيض إلا إذا كان مصدر الدواء غير رسمي، وبالتالي فهي منافسة غير شريفة بين الصيادلة.
