رغم تاريخها العريق وبطولات سكانها الذين دحروا الصليبيين وحطموا أحلام نابليون، ما زالت مدينة عكا شمال الأراضي المحتلة عام 1948 تواجه وحيدةً ظلم الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته العلنية الداعية إلى التضييق على سكانها وتهجيرهم.
فمنذ واحد وستين عاما، تسابقت حكومات الاحتلال المتعاقبة على التضييق على سكان المدينة وتشريد أكبر عدد ممكن منهم تحت غطاء القانون الإسرائيلي الذي ضرب بالمواثيق والقوانين الدولية عرض الحائط.
في عكا، يعاني السكان من التضييق المستمر على البناء والمسكن، والتضييق على المعيشة والضرب الممنهج للاقتصاد العربي بالإضافة إلى مخططات الاحتلال التي تستهدف وجود الأقلية العربية بأكملها.
يقول رئيس مركز اللجنة الشعبية العكية للصمود والبقاء فخري بشتاوي: "إن حكومات "إسرائيل" تسعى منذ عشرات السنين إلى تهويد مدينة عكا وتهجير سكانها العرب عن طريق مخططات ممنهجة تستهدف كل ما هو عربي في المدينة".
وأضاف بشتاوي البالغ من العمر (72عاما) والذي عرف نفسه على أنه شاهد على العصر في تصريح لـ"صفا" "أنا أعيش في عكا منذ 72عاما ورأيت مخططات التهويد والتشريد تنفذ أمام عيناي وقد حذرت في الماضي وأحذر اليوم من مخططات الاحتلال الذي لن يهدأ قبل أن ينفذها".
وكانت المؤسسة الإسرائيلية شرعت ببرنامجها لتهويد عكا وطمس معالمها العربية منذ عام 1970 حيث قامت ببناء آلاف الشقق السكنية في قرية المكر المجاورة والتي أعدت لإسكان أهالي عكا بعد إخراجهم من بيوتهم أو شرائها.
فشل.. وتواطؤ!
وفشلت مخططات الاحتلال لإخراج سكان المدينة منها حيث لم تخرج في حينه سوى عشرات العائلات التي لم تجد مأوى لها سوى بالشقق السكنية الجديدة بعد أن انهارت منازلها بفعل أحوال الطقس ومرور عشرات السنوات على تشييدها.
ويضيف رئيس مركز اللجنة الشعبية للصمود والبقاء "الاحتلال يحاول تهويد عكا بجميع الطرق بعد أن فشلت معظم مخططاته حيث أن التضييق على السكان في هذه الأثناء في أوجه، خاصة خلال الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب العالم".
وكشف بشتاوي لـ"صفا" أن المؤسسة الإسرائيلية تسعى إلى بيع الوقف الإسلامي في مدينة عكا وقد نجحت بذلك بعد تعيين العديد من أبناء المدينة الموالين لها في لجنة أمناء الوقف والذين قاموا بتأجير الأوقاف الإسلامية للدولة العربية التي شرعت ببيعها دون الالتفات إلى القانون".
وتقوم المؤسسات الحكومية الإسرائيلية ببيع الوقف الإسلامي في مدينة عكا بما في ذلك العديد من منازل العائلات العربية التي تسكن بمحيط تلك المناطق.
وأوضح رئيس اللجنة الشعبية في معرض حديثه "هناك مخطط إسرائيلي يقضي بتحويل عكا إلى مدينة سياحية كبيرة ما بين العام 2020 و 2030، ونحن نؤكد أن أهالي عكا سيدفعون ثمن هذا المخطط الذي سيصادر العشرات من منازلهم".
وتوظف حكومة الاحتلال القوانين اللازمة لتنفيذ مشاريعها التي تبقى مخالفة للقانون الدولي والإنساني، حيث لا تتوانى عن تجنيد قوانين خاصة بالمواصفات اللازمة لتنفيذ مشاريعها.
استغلال
وتستغل حكومة الاحتلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها سكان عكا العرب من خلال أعمال الترميم التي تنفذها في بيوتهم بادعاء طابعها الأثري ثم تطالبهم بدفع تكاليف الترميمات باهظة الثمن، ويتم إجلاء العائلات العربية التي لم تستطع التسديد بعد فترة من الزمن.
وأكد بشتاوي أن المؤسسات الحكومية الإسرائيلية تستغل حالة الفقر التي تعصف في الأحياء العربية في عكا وتطرح مبالغ مالية طائلة لكل عائلة عربية لا تمانع ببيع ممتلكاتها، حيث يتم شراء المنزل الذي لا يتعدى ثمنه 60 ألف شيكلا بأكثر من 200 ألف دولار أو أكثر.
ودعا رئيس اللجنة الشعبية المستثمرين العرب في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي إلى دعم صمود أهالي المدينة، والقيام بحملات لزيارتها وشراء المنازل والممتلكات التي تشتريها المؤسسات اليهودية.
ودعا العرب بتنظيم زيارة إلى عكا، وقال :" فنحن بحاجة لهم في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، أناشد ضمائرهم بان يشتروا هذه الممتلكات قبل أن تشتريها المؤسسات الإسرائيلية".
وأكمل "رغم كل ذلك فنحن سنبقى صامدين هنا في أرضنا لأن إرادتنا لا تقهر، ولكن كل ما ينقصنا هو الدعم من قبل العرب والوقوف إلى جانبنا".
من ناحيته، أكد عضو بلدية عكا أحمد عودة أن التمييز بين العرب واليهود وكذا الأحياء العربية واليهودية في المدينة موجود منذ زمن وما زال متواصلا، مشيرا إلى أن التمييز بدأ في الآونة الأخيرة يأخذ مناح عنصرية وتهويدية تهدف إلى ترحيل السكان العرب.
مضايقات.. فترحيل!
وتتم عملية ترحيل سكان عكا العرب بعد ما يتعرضون له من مضايقات على مر السنين من قبل الاحتلال، خاصة مع ارتفاع معدل الفقر الذي يتضعضع بسبب مخططات إسرائيلية ممنهجة حيث يصل المواطن إلى حالة يأس تدفعه إلى بيع ممتلكاته.
وأضاف عودة في تصريح لـ"صفا" "الأحياء العربية تتعرض إلى إهمال متعمد من قبل بلدية عكا حيث أن العديد من الأحياء تنقصها البنية التحتية الملائمة وبعضها تفتقر إلى الكهرباء والماء بشكل طبيعي".
وأشار عودة إلى أن بلدية عكا تعمل على سلب الأرض من سكان المدينة وخاصة سكان حي بربور، موضحا أن الحي المذكور يفتقر لأدنى مقومات الحياة بسبب الإهمال المتعمد الذي يحاول الاحتلال من خلاله خلق بيئة غير لائقة للسكان العرب لدفعهم إلى مغادرة المدينة برضاهم.
وكان حي بربور تعرَّض لمشاهد أليمة قبل أيام مع أول هطول للأمطار، حيث غرقت العديد من المنازل وحوصر أهالي الحي في حيهم بفعل الفيضانات.
وقال عودة: "بلدية عكا تسعى منذ زمن إلى تهويد المدينة، حتى اللافتات يتم تهويدها، هم لا يريدون العرب بينهم ويسعون إلى ترحيلهم ولا يريدون أيضا أن يروا اللافتات التي تكتب باللغة العربية أيضا".
ويواجه عضو البلدية العربي أحمد عودة دعوى قضائية رفعتها البلدية ضده في محكمة إسرائيلية بعد أن قام بتعليق لافتة تشير باللغة العربية إلى مدينة عكا على مدخلها الشرقي.
وأوضح عودة: "بلدية عكا وضعت لافتة تشير للمدينة باللغة العبرية وكتب عليها "عكو" وأنا شخصيا طالبت بكتابة اسم المدينة باللغة العربية أيضا لأن القانون الإسرائيلي يفرض الكتابة بالعربية على جميع اللافتات ولكن البلدية لم ترضخ لمطالبي فقمت أنا بتعليق اللافتة باللغة العربية".
وخيَّرت المحكمة الإسرائيلية عضو بلدية عكا بين السجن لمدة يومين أو دفع غرامة مالية قدرها 150 شيكلا فقط عقابا على ذلك.
وعقب عودة على ذلك بالقول: "صحيح أن الغرامة المالية صغيرة ولكنني اختار السجن على دفعها لأنني أريد أن يرى العالم كيف يسجن عضو بلدية في "إسرائيل" لأنه رفع لافتة باللغة العربية".
وأكمل "الآن أنا انتظر قرار زملائي في الحزب في هذا الموضوع وأنا مستعد لأسجن ولأدفع ثمن مواقفي المعارضة لتهويد عكا لأنها ستبقى عربية شاء من شاء وأبى من أبى".
