تحت ظل أشجار الزيتون المزروعة بباحة منزله المتواضع شرق خان يونس، يقضي المسن محمد رزق قديح (65عامًا) جُلّ وقته، فتارة يتلو ما تيسر من القرآن، وتارة يمارس هوايته المفضلة في تقليم الأشجار والعناية بها.
وتبدو عقارب الساعة تتحرك ببطء شديد في نظر أبو حمادة وهو يحصي الأيام والليالي بانتظار شريكة عمره لتعود إليه وتؤنس وحدته، خاصة مع كبر سنة وحاجته لمن يملأ عليه بيته، ويعتني به.
وبقدر اشتياق أشجار الزيتون للسقاية وحاجتها للرعاية، فإن شوق أبو حمادة للم شمل عائلته التي علقت هناك بالسعودية، وحاجته لعناية الزوجة ولقاء الأبناء يفوق ذلك بكثير.
رحلة حياة
يروي أبو حمادة لوكالة "صفا" تفاصيل رحلته لطلب الرزق منذ أن خرج من فلسطين عام 1967م، ليمكث في الأردن بضع سنين ثم ينتقل إلى الجزائر ليعمل مدرسا بإحدى القرى هناك لمدة تسع سنوات.
وكان مئات آلاف الفلسطينيين نزحوا بعد احتلال الكيان الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967م وهاجروا خارج فلسطين.
وفي أول إجازة له خلال عمله بالجزائر عاد أبو حمادة إلى قطاع غزة ليتزوج، ويسافر مع زوجته إلى الأردن، ويرزقه الله خمسة من الأبناء وهم "حمادة وياسمين ووردة وعبد الله ومهند".
ويضيف أبو حمادة "في عام 1977م غادرت الجزائر وأخذت العائلة من الأردن، واستقر بنا المقام في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، حيث عملت موظفاً بمصرف الراجحي ما يقارب 25 سنة".
وعندما بلغ أبو حمادة سن التقاعد، وترك عمله، قرر السفر إلى قطاع غزة في زيارة بصحبة زوجته عام 2005م، وبعد معاناة لمدة يومين على المعبر سمح لهما بالعبور، فمكثا بضعة أشهر ثم عادا مجددا إلى السعودية.
وبلغ عدد الفلسطينيين المقيمين في الدول العربية 4,5 مليون فلسطيني أي بنسبة 46.3% من أبناء الشعب الفلسطيني، في حين بلغ عدد الفلسطينيين في الدول الأجنبية حوالي 605 ألف نسمة أي ما نسبته 5,7% من إجمالي عدد الفلسطينيين في العالم. حسب أحدث إحصائية لجهاز الإحصاء الفلسطيني.
وعقب الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في سبتمبر/ أيلول 2005 وتمكّن عدد من سكان غزة من اجتياز الحدود باتجاه الجانب المصري، وجد أبو حمادة الفرصة مواتية ليعود إلى أرض القطاع بشكل نهائي.
عاد أبو حمادة إلى قطاع غزة، واستقر في بيته شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، ومنذ عامين يعيش وحيدا، بين جدران منزله الأربعة.
ممنوعة من العبور
يقول أبو حمادة "قررت زوجتي العودة إلى قطاع غزة للعيش معي، خاصة وأنني أصبحت كبيرا في السن وبحاجة إليها لتقف معي في هذا العمر".
ويتابع بصوت يغلب عليه الحنين "وصلت زوجتي قبل بضعة شهور إلى معبر رفح، وهناك طلبت منها السلطات المصرية إبراز الهوية الفلسطينية، وهي لا تملكها بالطبع، وكان القرار الصارم بعدم السماح لها بالعبور".
أم حمادة المسكينة "داخت السبع دوخات" وهي ترجو المسئولين المصريين بمراعاة كبر سنها وحاجتها للعودة إلى زوجها، ولكن لا مجيب، حسب أبو حمادة.
ولا يزال أبو حمادة يمني نفسه برأفة السلطات المصرية، علها تسمح في المرة القادمة التي تحاول فيها الزوجة العودة مجددا لتعبر إلى قطاع غزة.
ويناشد المسن الحكومة الفلسطينية التدخل لدى السلطات المصرية ليسمحوا بعبور زوجته، ومراعاة الظروف الإنسانية للعائلة، التي فرقت بينها الحدود وإجراءات المعابر.
وفي غياب الحدود الفاصلة بين ما هو إنساني وما هو سياسي، يبقى أبو حمادة والكثيرون أمثاله، رهائن لدى من يملك مفاتيح معبر رفح.
