مع اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان عام 2003، نزح الآلاف من سكان إقليم دارفور الذي اشتعل بجحيم حرب أهلية إلى العديد من دول العالم العربي والإسلامي ليجدوا الاضطهاد والعنصرية باستقبالهم، مما دعا بعضهم للتوجه إلى "إسرائيل".
يقول محمد زغيرون (20 عاماً) وهو لاجئ سوداني يعيش في إحدى المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948: "لما أصبح العيش مستحيلا في دارفور قررت الهجرة من السودان خشية على حياتي من القتل كما قتل المئات من أبناء قريتي".
ولجأ محمد وعدد من أبناء قريته إلى "إسرائيل" قبل نحو ثلاثة سنوات بعد أن رفض مكتب الأمم المتحدة في القاهرة استقبالهم.
وأشار اللاجئ السوداني إلى أن السلطات المصرية لم تكن ترغب باللاجئين في مصر، فقد وصف المعاملة التي تلقاها من قبل الحكومة المصرية بالقاسية للغاية والبعيدة كل البعد عن الطابع الإنساني الشريف.
وأضاف زغيرون في تصريح خاص لـ "صفا": "لم أفكر في حياتي أن أهاجر إلى "إسرائيل" ولكن لما وجدت الأوضاع المزرية والمعاملة السيئة في مصر قررت التوجه إلى "إسرائيل" لعلي أجد حياة أفضل حتى لو كانت في كنف الاحتلال".
معاناة خلف القضبان
وتسلَّل عدد من اللاجئين من سكان دارفور إلى الحدود الاسرائيلية ليكون ما يسمى حرس الحدود التابع لجيش الاحتلال أول المستقبلين، حيث اعتقل محمد ومن معه من أبناء الإقليم لمدة أحد عشر شهرا لم تخلُ من التحقيق المستمر عن سبب الزيارة الغريبة.
وأوضح محمد أن عائلته لم تعرف مصيره بعد، مشيرا إلى أن الشوق إليهم يسيطر على أحاسيسه وفكره اليومي دون جدوى، مع انقطاع سبل الاتصال بالقرية التي لم يعرف مصير أهلها بعد.
وبعد أحد عشر شهرا من الاعتقال أطلقت مصلحة السجون الاسرائيلية سراح اللاجئين السودانيين الذين وكل أمر رعايتهم إلى جمعيات حقوقية إسرائيلية وفّرت لهم العمل في المصانع الاسرائيلية بالأراضي المحتلة عام 1948.
يقول اللاجئ السوداني :"إن العمل متوفر بكثرة للاجئين في "إسرائيل" في الوقت الذي أجهدت فيه البطالة السكان العرب بفعل عنصرية الاحتلال".
ويعيش محمد في هذه الأيام في مستعمرة " جان شومرون" الواقعة في مركز أراضي"48" المحتلة جنبا إلى جنب مع المستعمرين الإسرائيليين الذين وجدوا باللاجئين حلا مناسبا للخلاص من العمال العرب من حاملي الجنسية الإسرائيلية.
لعبة الاحتلال القذرة
يقول اللاجئ محمد لـ"صفا": "عندما خرجت من سجون الاحتلال وباشرت بالعمل وتنقلت في جميع أرجاء الأراضي المحتلة لم أكن اعلم أن هناك عربا مسلمون مثلنا يعيشون في "إسرائيل"، ولكن بعد أن تعرفت على الكثير منهم أحببتهم وعلمت أنني قد وصلت إلى المكان المناسب".
ورغم ذلك، يؤكد محمد السوداني أن الاحتلال يكيل بمكيالين ويلعب لعبة قذرة من خلال استقباله للمهاجرين ومحاولة دمجهم في المجتمع الإسرائيلي المعروف بعنصريته.
وعبَّر اللاجئ خلال حديثه لـ " صفا" عن تخوفه الشديد جراء اندماج عشرات السودانيين المسلمين في المجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي يسعى جاهدا إلى تهويدهم من خلال دمج أبنائهم في المدارس الإسرائيلية وتعليمهم للثقافة اليهودية وطرق عديدة أخرى تتبعها السياسة الإسرائيلية في محاولة لثني هؤلاء عن طبيعتهم الإسلامية.
سياسة التهويد
وأشار إلى أن العشرات من اللاجئين السودانيين اندمجوا اندماجا مباشرا في المجتمع اليهودي والذين قاموا بتغيير أسمائهم العربية الإسلامية إلى أسماء يهودية إسرائيلية، بالإضافة إلى اتخاذ العديد من اليهود كأصدقاء يحلو معهم السهر الذي لا يخلو من شرب الخمر وممارسة الرذيلة على اختلاف أنواعها، على حد تعبيره.
ويرى زغيرون أن الكيان الإسرائيلي يقوم باستغلال اللاجئين العرب والمسلمين لتحسين صورتها القبيحة لدى المجتمع الدولي، وذلك عبر رعايتهم والإحسان إليهم ودمجهم في المجتمع الإسرائيلي.
ويضيف "أظن أن المعاملة الحسنة التي نتلقاها في "إسرائيل" تهدف إلى تشويه الصورة الحقيقية للاحتلال، بالإضافة إلى محاولة إقناعنا بأن الشعب اليهودي شعب متسامح ومتعاون مقارنة بما وجدناه في مصر، وللأسف الشديد فقد انطلت الخطة الاسرائيلية على الكثيرين".
وأبدى اللاجئ السوداني تخوفه الشديد على الأجيال السودانية الجديدة التي يرى أنها أصبحت في ضياع قد يسير بها نحو إتباع الديانة اليهودية في المستقبل القريب.
موقف عربي وإسلامي
وكان عشرات الآلاف من المهاجرين الأثيوبيين اتبعوا الديانة اليهودية بعد انخراطهم لمدة تزيد عن عشرة أعوام في المجتمع الإسرائيلي اليهودي الذي يقوم باستقبالهم ورعايتهم.
وطالب محمد الحكومات العربية والإسلامية إلى الالتفات إلى معاناة الشعب السوداني واستقبال اللاجئين ورعايتهم، قبل توجههم إلى "إسرائيل" وذلك حفاظا على الهوية الإسلامية التي يعرف بها الشعب السوداني وخاصة سكان إقليم دارفور الذي يعتبر ساكنيه من خيرة حفظة القرآن الكريم في العالم.
ويختم محمد حديثه لـ"صفا" قائلا: "في هذه الأيام لا أظن أبدا أنني سأعود إلى السودان وذلك لأن الأوضاع في دارفور ما زالت تزداد سوءًا ولأنني متيقن أنني سأقتل في حال عودتي كما قتل الآلاف من سكان الإقليم".
وكلمة أخيرة قالها اللاجئ السوداني بلهجة أعياها الحزن والألم:" أتمنى أن يعم السلام أرض السودان وأن يعود الأمن والهدوء إلى دارفور لكي أستطيع العودة إلى عائلتي لأنني مشتاق إليهم كثيرا".
يشار إلى أن العشرات من اللاجئين الإفريقيين قتلوا على يد القوات المصرية منذ مطلع العام الحالي خلال محاولتهم التسلل عبر الحدود المصرية إلى"إسرائيل".
