web site counter

الحدائق العامة.. متنفس مفقود في جنين وبديله الانحراف

يشكِّل غياب المتنزهات والحدائق العامة، سيما المؤهلة منها، معضلة كبيرة في معظم المدن والبلدات الفلسطينية كجزء من غياب البنى التحتية في كثير من المجالات.
وينظر إلى عدم وجود حدائق عامة على أنه سبب مباشر في توفير بيئة للانحراف والتوتر والضغط النفسي، والأهم غياب جودة الحياة
وتُعَدّ جنين مدينة فقيرة على هذا الصعيد، فهي وإن كان اسمها اشتق تاريخيًا من الجنان، وما يرمز إليه هذا الاسم من حدائق غناء، وأشجار على مرمى البصر؛ غير أن أهلها يشكون اليوم من عدم وجود حدائق عامة صالحة ومؤهلة.
ومن المفارقة القول إنه يوجد في محافظة جنين 1177 دونمًا من الأحراش، تشكل ما نسبته 5.5% من المخطط الهيكلي؛ وذلك وفق البيانات التي زودتنا بها بلدية جنين، ولكنها لم تؤهل لتكون مناطق جذب للسياحة الداخلية.
اتجاهات التمويل تحدد
يقول رئيس قسم الهندسة في بلدية جنين محمد أبو سيف :" لدينا مخططات لكل الحدائق، رفعناها للممولين، ولدينا مساحات فارغة داخل المدينة من أجل إقامة هذه الحدائق عليها، وهناك جزء منفذ وجزء ينتظر التمويل".
وأضاف "قانون الهيئات المحلية يمنح البلدية حق تملك 20% من مساحة أي قطعة أرض من أجل أن تستخدم في تقديم خدمات للمواطنين، تستغل في إنشاء الحدائق والمدارس والطرق حسب احتياج كل منطقة".
ويشير أبو سيف إلى أن اتجاهات التمويل تلعب أحيانا دورا في تغيير الأولويات؛ "فأحيانا نخصص أرضًا لتكون حديقة عامة، ولكن يأتينا تمويل لبناء مدرسة في تلك المنطقة، وتكون المنطقة بحاجة إلى مدرسة فنقدر الاحتياج ونفضل المدرسة على الحديقة، كون تمويل المدرسة ليس متاحا في كل وقت".
ويؤكد أبو سيف أن البلدية حين تخطط لبناء حي سكني جديد، فإنها تضع في مخططها الهيكلي أرضًا لمدرسة وأخرى لحديقة بشكل متكامل، ولكن التنفيذ يكون دائمًا حسب التمويل المتاح.
لا قانون ينظم وجودها
ويرى رئيس قسم السياحة في دائرة السياحة والآثار في جنين مصطفى النمر أن هناك إشكالية قانونية لدى وزارة السياحة ودوائر التشريع الفلسطينية في هذا المجال؛ "فحتى الآن لا يوجد قانون فلسطيني واضح ينظم عمل المتنزهات والحدائق وترخيصها ووجودها".
وأضاف "يوجد دراسة لمشروع قانون، ولكن عملية الترخيص تتم حتى الآن بدون تنظيم، حيث تتضمن موافقة مبدئية لحين الاستكمال، ونحن نأمل أن يتم البت في القانون".
وقال النمر: "يوجد في جنين عدد من الحدائق العامة وهي أم البلبل، السويطات، الهدف، تذكار الرئيس، ولكنها صغيرة المساحة مقارنة بعدد السكان وتفتقر لوجود ألعاب، وكذلك لا يوجد فيها مرافق ودورات مياه، فمساحة كل واحد منها تتراوح بين دونم ونصف إلى ثلاثة دونمات".
وأكد النمر أن وجود حدائق عامة مسألة في غاية الأهمية نتيجة الضغط المهول الذي يتعرض له سكان محافظة جنين من ممارسات الاحتلال والأوضاع الاقتصادية المأساوية؛ وبالتالي لا بد من إيجاد أماكن للتفريغ بما يقلل مستوى العنف الداخلي.
دافع للانحراف والعنف
وترى منسقة مركز بانوراما الشبابي في جنين أماني سباعنة أن غياب المتنزهات والحدائق العامة وصفة للانحراف والعنف، "فالطفل الذي لا يجد مكان سليم يلعب فيه ويروح عن نفسه سيكون الشارع ملاذا له؛ وبالتالي فإن وجود حديقة عامة يؤثر في السلوك بشكل مباشر".
وأضافت سباعنة "جنين مدينة محصورة، ولا يوجد فيها مرافق وملاعب، ونحن نظمنا منذ عدة أشهر مسيرة للأطفال من أجل لفت الانتباه إلى ضرورة وجود حدائق للأطفال".
 
ولفتت الشابة فرح منصور الانتباه إلى ضرورة التمييز بين الحدائق العامة المجانية والمتنزهات الخاصة التي تهدف للربح ويقوم عليها أفراد، وتقول: "معظم سكان المنطقة هم من الفقراء الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المتنزهات وأماكن الترفيه الخاصة لضيق الحال وكما أنها عادة ما تكون بعيدة".
وتضيف "المتنزهات المجانية حق لأبناء الفقراء، وعلى المؤسسات الرسمية توفيرها؛ وإن وجدت فيجب أن يتم وضع الألعاب والمرافق فيها، لأن المنتزه ليس مجرد شجر فقط".
نحتاج ثقافة الحديقة
ويؤكد أبو سيف أن ثقافة الحديقة والشجرة غائبة عن مجتمعنا؛ ويجب على الأسرة والمؤسسات التعليمية أن تعلم الأطفال منذ الصغر أن الشجرة مثل الإنسان يجب العناية بها وليس قلعها أو تكسيرها.
ويصف معاناته في هذا المجال قائلا: "أشرفت على زراعة 1000 شجرة في منطقة خروبة شمال جنين، ولكن للأسف معظمها اقتلع من قبل عابثين، وفي بعض المواقع وضعنا حراسة ولكن دون جدوى؛ حيث كان الحارس ينهي دوامه مساء وتتعرض الأشجار للسرقة والتكسير ليلا".
ويشير أبو سيف إلى أن بلدية جنين صرفت مبالغ طائلة من أجل تأهيل متنزهات في السويطات وأم البلبل وغيرهما، ولكن ثقافة التخريب حطمت كل شيء، فالاعتداء على الشجرة سهل ولا رداع، خاصة في السنوات السابقة.
ولكن سباعنة لا ترى في هذه الإشكالية سببا لعدم إقامة حدائق ومتنزهات؛ وترى ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة بحق المعتدين، وتنظيم حملات توعية مجتمعية، ولكن يجب الإيمان أولا بأن وجود متنزهات وحدائق عامة احتياج أساسي وليس كماليات.
إنها علاقة جدلية، الكل فيها مدان؛ المسئول الذي لم يعط المتنزهات أولوية حين يصمم المخططات الهيكلية أو يحدد اتجاهات التمويل؛ والمواطن الذي يفتقر إلى ثقافة الحفاظ على الحديقة والشجرة.
أما الحقيقية التي لا جدال فيها فهي أن الطفل والشاب والشيخ، الرجل والمرأة، كلهم يعانون ضغوطا نفسية واجتماعية مهولة، وسبب مهم ومؤثر هو: غياب الحدائق العامة.

/ تعليق عبر الفيس بوك