لا يكاد المواطن ناصر محاميد من محافظة جنين يصدق المستوى الذي وصل إليه ضعف الاهتمام بمساجد الضفة الغربية، مشيرا إلى أنه ذهب إلى أكثر من مسجد لصلاة الجمعة في الفترة الأخيرة، غير أنه لم يجد خطيبًا.
ويضطر محاميد في اللحظة الأخيرة للذهاب إلى مسجد آخر لسماع خطبة الجمعة، ولاحظ في كثير من الأحيان أن خطيبا متطوعا يبادر لينقذ الموقف قبيل الأذان دون تحضير مسبق، في خطبة قائمة على الارتجال يشوبها الكثير من الخطأ في بعض الأحيان؛ سيما وأن تسعين مسجدا في محافظة جنين لا يوجد لها إمام براتب.
وعلمت "صفا" من مصادر مطلعة أن وزارة الأوقاف والشئون الدينية في الضفة المحتلة بها أكثر من 800 شاغر وظيفي لأئمة مساجد في مختلف المحافظات الأمر الذي يؤدي إلى حدوث إشكالات كثيرة في تنظيم أعمال المساجد على صعيد خطب الجمعة وانتظام الصلوات وكافة الشعائر الدينية، ويحدث إرباكا كبيرا بين المواطنين.
ويقول المواطن محاميد: "نعاني من هذه المشكلة باستمرار، فكثير من مساجد المحافظة يقوم عليها أئمة متطوعون يوزعون خطب الجمعة فيما بينهم كل أسبوع، ولكل منهم مشاغله الخاصة".
وأضاف "يحدث أحيانا أن ينشغل هذا الإمام المتطوع لأمر ما، ولا نجد خطيبا يوم الجمعة ، ولك أن تتخيل حال المصلين في المسجد وقد حان وقت الجمعة ولا خطيب".
وأشار محاميد إلى أنه قدم مع مواطنين آخرين أكثر من عريضة لوزارة الأوقاف لحل هذه المشكلة من خلال توظيف إمام راتب، ولكن دون جدوى.
الوزارة متّهمة
ويشير المواطنون بأصابع الاتهام إلى وزارة الأوقاف متسائلين "أليست وزارة الأوقاف جزءا من وزارات السلطة الفلسطينية التي لها حصص في الموارد والوظائف، ولماذا التضخم المهول في أعداد الموظفين في بعض الوزارات والنقص المهول في وزارات أخرى؟".
ويقول المواطن محمد تركمان من مدينة جنين: نسمع أن وزارة الأوقاف من أغنى الوزارات، ولها وقفيات واستثمارات، كما أننا نرى أن لوزارة التربية والتعليم 2500 موظف جديد كل عام، ولوزارة الصحة 1500 سنويا، فلماذا وزارة الأوقاف التي تحتاج إلى أرقام أقل من ذلك بكثير لا يوجد لها اعتمادات! ".
مدير الأوقاف في محافظة جنين مصطفى الأسمر قال "لدينا في وزارة الأوقاف 800 شاغر، وأعلنّا عن تقديم طلبات التوظيف وتقدم 250 تم توظيف قسم منهم، ونحن الآن بصدد توظيف دفعة جديدة في الإمامة وخدامة المساجد".
ويقول محاميد لـ"صفا": "قد يكون كلام الأسمر صحيحا لولا تكدس مئات الطلبات في أدراج وزارة الأوقاف التي ينتظر أصحابها النظر فيها للتوظيف" وأضاف "العامل السياسي يلعب دورا في شطب كمّ كبير من هذه الطلبات، كما أن وجود المتطوعين في المساجد يكفي الوزارة عناء التوظيف".
يقول الشيخ زياد ثمينات، وهو إمام متطوع في مساجد بلدة اليامون: "أعلنت السلطة عن وجود شواغر لوظيفة إمام عام 2005 وتقدمت بالطلب، وفي عام 2007 قمت بتجديد الطلب، وأجريت لنا اختبارات، واستدعينا للمقابلة في أبو ديس؛ ولغاية الآن لم أبلغ أنا وكثير مثلي بالرفض أو القبول".
ويرى ثمينات في ذلك مشكلة كبيرة، فهو مستوفٍ للشروط، كما أنه يعمل في هذا المجال متطوعا، فأين الخلل؟
ويضيف ثمينات "أقوم وعدد من زملائي بالخطابة يوم الجمعة تطوعا، حيث نقسم المساجد بيننا بالتنسيق مع وزارة الأوقاف، ولكن هذا ليس حلا".
على بند الإكراميات
وتنتشر في مساجد الضفة الغربية ظاهرة العمل على بند البطالة أو "الإكراميات"؛ حيث يوجد مئات المساجد التي يقوم عليها أئمة ومؤذنون لا يصنفون على أنهم موظفون بالرغم من أنهم يعملون منذ سنوات طويلة، وبعضهم أمضى أكثر من تسع سنوات في الخدمة.
وتعيين أئمة ومؤذنين على هذا البند يعني أنه ليس لهم حقوق الموظفين ويمكن الاستغناء عنهم في أي لحظة، كما أنه ليس لهم سنوات خدمة ولا تقاعد، ولا يتجاوز الراتب في هذه الحالة ألف شيقلا.
ولكن وزارة الأوقاف ترى أنها تقوم من خلال هذه الخطوة بإيجاد حلول موضعية لنقص الأئمة والمؤذنين لحين الوصول إلى حل جذري، فهو في رأيها أفضل من أن تترك شئون كثير من المساجد دون معالجة .
بحاجة إلى ضبط
ويقول رئيس بلدية اليامون عماد عباهرة: "يوجد في اليامون تسعة مساجد، اثنان منها فقط يوجد لها أئمة، والباقي يقوم عليها متطوعون، وهذا يخلق إشكالات كثيرة، فأحيانا يخرج الخطيب المتطوع عن النص، وأحيانا يصعد المنبر من لا يعرف أصله ولا فصله لمجرد سد الفراغ، كما أن هذه المساجد وإن توفر لها الخطيب المتطوع فلا يكون فيها درس قبل الخطبة".
ويضيف عباهرة "حدث أكثر من مرة مشادات بين المصلين والإمام المتطوع لأنه تكلم بما لا يليق على المنبر، وسبق أن تقدمت شخصيا بشكوى لمديرية الأوقاف من أجل حل هذه المشكلة، ولحد الآن ما زلنا نعاني".
بينما يرى الأسمر أن غالبية الأئمة هم من المتطوعين الأكفاء، ويقول: "نحن لا نسمح لأي شخص بأن يعتلي المنبر، فالإمامة لها شروط خاصة، ونحن ندقق في ذلك".
وأمام هذه المعضلة يبقى التساؤل: "إذا كان المسجد مؤسسة مثل باقي مؤسسات الوطن؛ وكما أنه من غير المعقول أن يدخل مواطن إلى وزارة التربية والتعليم أو الاقتصاد ولا يجد فيها موظفين بحجة عدم وجود كفاءات، فهل من المعقول أن يدخل مواطن مسجدا ولا يجد فيه إماما ولا مؤذنا؟".
