web site counter

حصار إسرائيلي وتقصير فلسطيني للبلدة القديمة بالخليل

يتبادر للوهلة الأولى عند دخول البلدة القديمة وسط مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، أنها مدينة للأشباح، لا يرى فيها سوى أبواب مغلقة لمحال تجارية، وشوارع مخلاة من المارة.
 
وفي البلدة القديمة أبراج مراقبة ترمقك أينما حللت، ونقاط تفتيش تستوقفك كلما تقدمت للأمام داخل المنطقة المحاصرة، ناهيك عن المستعمرين الذين يسكنون المناطق المرتفعة من البلدة، والذين يفاجئون المارة بالحجارة والفضلات من كل جانب.
 
هذا وصف مختصر للمأساة الحقيقية التي تعيشها البلدة التي لا تزال تشهد أزمات حصار وتضييق يومي خانق على الحركة التجارية والعمرانية، وعلى حياة وحركة المواطنين الفلسطينيين الذين يقطنوها، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة التي ينفذها الجنود والمستعمرون الموجودون في المنطقة.
 
إحصائيات وأرقام
وتشير الإحصائيات الخاصة بالبلدة القديمة إلى أن الاحتلال صعَّد من قراراته التعسفية بحق البلدة بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي عام (1994)، وزاد من إجراءاته القمعية بعد انطلاق شرارة انتفاضة الأقصى عام (2000).
 
وتوضح تلك الإحصاءات أن عدد المحال التجارية المغلقة بلغ حوالي (582) محلاً بأمر عسكري، ويحول الشلل التجاري دون تمكن أصحاب حوالي (1142) محلاً تجارياً متبقية من فتح أبوابها.
 
وتقام اليوم (20) نقطة مراقبة للجيش الإسرائيلي على أسطح مبان مأهولة، فيما ينصب الاحتلال (30) حاجزاً إسمنتياً وترابياً ثابتاً، و(7) حواجز متفرقة.
 
واستشهد عشرات الشبان الفلسطينيين بالقرب من الحواجز العسكرية الإسرائيلية أثناء عبورهم من المنطقة وإليها، بينما تغلق العديد من الشوارع ولا يسمح الاحتلال لأحد بالاقتراب منها.
 
ولا تقتصر إجراءات التضييق على حركة المواطنين فحسب، بل يشير كثير من المختصين في الشأن الاستعماري والمؤسسات العاملة في المنطقة إلى أن قوات الاحتلال تمارس نوعا من التطهير العرقي، وتنفذ خطط ترحيل للمواطنين عن منازلهم، هادفة لإخلاء المنطقة من قاطنيها وإحلال المستوطنين مكان أصحابها الفلسطينيين.
 
الإغلاق نوعين
ويشير وليد أبو الحلاوة من لجنة إعمار الخليل أن الإغلاق في البلدة القديمة نوعين، يتمثل الأول في الأوامر العسكرية الإسرائيلية، بينما يتمثل النوع الثاني في الإغلاق الطوعي الذي ينظمه أصحاب المحال التجارية بعد الشلل التام في الحركة التجارية في المنطقة نتيجة الاغلاقات المتواصلة التي تقوم بها قوات الاحتلال، ما حدا بالكثيرين من سكان المنطقة إلى هجرتها والرحيل عنها.
 
ويضيف أبو الحلاوة أن قوات الاحتلال أغلقت البلدة القديمة حوالي (582) يوماً بين عامي (2000-2003)، ومنعت المواطنين من التجوال على مدار هذه الأيام.
 
وأشار إلى أن هناك العديد من الشوارع يمنع الاحتلال عبور السيارات الفلسطينية منها، خصوصاً شارع الشهداء الذي يعتبر عصب الحياة للبلدة القديمة ولمدينة الخليل، ويمنع المواطنين من سلوك عدد من الشوارع الأخرى حتى مشيا على الأقدام، فيما يغلق سوق الخضار إغلاقاً تاماً.
 
ويتفاوت عدد المرتادين للبلدة القديمة وسوقها الفقير من موسم لآخر، وتشهد حركة تجارية نشطة في شهر رمضان، بينما تنخفض الحركة بشكل كبير بقية أيام السنة، وتشهد أوقات الصلاة بالحرم توافدا لعشرات المصلين المارين بالمنطقة، وتزداد بشكل ملحوظ أيام الجمعة.
 
وفي شأن الأصناف التجارية التي تميز البلدة القديمة، يبين أبو حلاوة أنها تشتهر بالأعمال اليدوية والتطريز والتوابل، والبهارات والتين المجفف والملبن والتبغ القديم، بالإضافة إلى الأصواف والجلد التي تميز سوق المنطقة، حيث تعتبر البلدة القديمة السوق الوحيد لمثل هذه الأصناف.
 
مشاريع غير كافية
مدير العلاقات العامة في غرفة تجارة الخليل أكرم حجازي لا يرى المشاريع الخاصة بالبلدة القديمة كافية، ويشير إلى أن المنطقة بحاجة إلى المزيد من الجهد والمشاريع التجارية والتنموية من أجل تعزيز الحركة التجارية وتنشيطها في البلدة القديمة.
 
ويقول حجازي: "إن البلدة القديمة تعتبر قلب الخليل، مطالبا كافة المؤسسات بمزيد من المشاريع التشجيعية لدعم صمود سكان المنطقة، وتنشيط حركتها التجارية والاقتصادية".
 
وأضاف أنه كان هناك قرارا بدعم متاجر البلدة بمبلغ (200) دولار شهريا، لكنه يؤكد أن المشروع استمر مدة عام واحد، ثم توقف بعدها، مشيرا إلى النتائج الإيجابية والفاعلة التي عكسها المشروع على الحركة التجارية والاقتصادية.
 
ويؤكد مدير العلاقات العامة أن الغرفة التجارية نفّذت عدة مشاريع لإحياء البلدة القديمة، وقامت بنشاطات ميدانية لتشجيع التسوق، وتخفيض الأسعار، وتشجيع الحركة التجارية.
 
وأضاف أن "الغرفة التجارية تعاونت مع مؤسسات محلية ودولية في القيام بنشاطات أخرى كالأيام الطبية المجانية، ومهرجانات العيد داخل أحياء البلدة القديمة، لإدخال الفرحة على قلوب أطفال البلدة المحرومين من الاحتفال بالأعياد نتيجة الحصار الخانق وإجراءات الاحتلال المستمرة".
 
عمل وطني
ويرى صاحب محل تجاري في البلدة القديمة أنه "يمارس عملا وطنيا من خلال فتحه الدائم لمحله، وتحدي الاحتلال وإجراءاته التعسفية وتضييقه على الحركة التجارية"، مشيراً إلى أن "قوات الاحتلال ما تزال تحاول كل يوم إغلاق ما تبقى من المحال المفتوحة".
 
ويضيف أن "ثلة من أصحاب المحال التجارية يصرّون على فتح أبواب رزقهم، رغم تنكيل الاحتلال اليومي وإجراءاته المستمرة بحقهم"، مشيراً إلى أنهم "يفتحون أبواب محالهم يوميا رغم أن المنطقة شبه خالية من المتسوقين".
 
وحول حالة الشلل التي تعاني منها الحركة التجارية في البلدة القديمة، يوضح المواطن عبد الله نعيم أن المواطن اليوم يفضل التسوّق من المناطق القريبة والسهلة، ويتجنب المناطق البعيدة، خصوصا تلك التي تشهد احتكاكا يوميا مع قوات الاحتلال كما هو الحال مع البلدة القديمة في الخليل.
 
ويرجع نعيم تراجع الحركة التجارية إلى قلة المشاريع التحفيزية الحقيقية لإنعاش البلدة القديمة وتحريك الحياة التجارية فيها، كسبب مهم في الحياة الضعيفة التي تعيشها البلدة اليوم.

 

/ تعليق عبر الفيس بوك