غزة – رشا بركة - صفا
جاء راكضاً نحوها وعيناه تفيض حباً وحنيناً لها، ولهفته لتقبيلها تسبق خطواته، حتى وصل إليها منحنياً أمامها ومقبلاً يديها وجبينها بتواضع شديد، ثم قلدها سلسلة ذهبية منقوشة بلفظ الجلالة، تلك السلسلة كانت ولا زالت أخر هدية لها في يوم الأم منذ 22 عاماً. وتعد أم الأسير عمر مسعود الليالي بسنين وهي تنتظر أن يطل عليها ابنها الأسير المعتقل لدى الاحتلال الإسرائيلي منذ 22 عاماً، وفي رقبتها تلك السلسلة التي أهداها إياها في آخر يوم أم قبل اعتقاله. ويحتفل العالم في 21 مارس كل عام بيوم الأم العالمي، والذي يمر على الأمهات الفلسطينيات بطابع خاص كونهن يعانين من فقدان أبنائهن ما بين شهداء وأسرى جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني. [title]يوم في الذكرى[/title] وفي كل سنة يمر فيها يوم الأم تجلس أم الأسير عمر وهي في الستينات من عمرها لتستشعر لمسات يدي ابنها عمر وهو يقلدها هذه السلسلة، محاولة أن تهون على نفسها ألام الفراق وتعيش ولو للحظة يوم الأم كباقي أمهات العالم. تقول "منذ سنة 1993 كان أخر يوم أم أرى فيه عمر؛ يوم لا أنساه حينما جاءني يقبل يدي ويلبسني هذه السلسلة الذهبية، ويدعو الله أن يطول لي عمري، ومن يومها حتى الأن ليس لي عيد أم إلا في الذكرى". وتضيف في حديثها لـ"صفا" أنه كان لا يشتري لها في يوم الأم إلا الهدايا الغالية، وقد أهدى لها أسوارة ذهبية قبل اعتقاله بعام، وكان يعطيها فوق هذا مالاً لتشتري لنفسها ما يلزمها من حاجيات". وتتبسم هذه الأم كلما رأت الهدايا التي يرسلها إليها ابنها من سجنه في يوم الأم، خاصة تلك الصورة لأم وطفلها مرسومة بالخرز الاحمر والأبيض، والتي حاول أن تكون الأم في هذه اللوحة بملامح والدته. وتتمنى والدة الأسير المحكوم 3 مؤبدات أن تكون في يوم الأم العام القادم على موعد مع لقاء بابنها لكي يهديها الهدية بيديه ويعود إلى حضنها بعد فراق هذه السنوات الطويلة. ويعاني الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال من ممارسات إدارة السجون بحقهم جراء سياسة الإهمال المتعمد والتعذيب، خاصة الاعتقال الإداري والعزل الإنفرادي، والذي دفع عدداً منهم لخوض إضراب مفتوح عن الطعام كان أخرهم الأسير خضر عدنان والأسيرة هناء الشلبي. وتتردد والدة الأسير علاء صلاح على رسائل ابنها التي كان يرسلها لها من داخل سجون الاحتلال في يوم الأم كل عام، لتتمعن في كلامه الحلو والعذب. وتعتبر يوم الأم وعيد الفطر والأضحى من أجمل وأغلى المناسبات على قلبها، لكنها تعايشها منذ 8 سنوات مرت على اعتقال ابنها بمرارة فراقه هو وشقيقه الشهيد إياد الذي استشهد منذ عام1994. تقول "عمري ما عرفت للورد رائحة ولا جمال إلا من لما كان يهديني اياه علاء، كانت ضمة ورد منه تكفيني وأن يكون قريب مني وفي حضني. وتستدرك أم علاء (61 عاما) حديثها بالقول "لكن الأن لا أريد ورد ولا هدايا، وتكفيني نظرة أرى فيها ابني علاء، ويأتيني لأسمع منه كلامه الحلو الذي يرسله لي كل سنة". [title]كيوم اليتيم[/title] ويُعد كل يوم يمر على الأسرى وأمهاتهم يوماً للأم في ظل حرمانهم من أن يحيوا هذا اليوم معهم كباقي الأمهات والأبناء في العالم، فعذابات الفراق تُشعر الأسرى بأنهم يحيون يوم اليتيم وهم بعيدين عن أمهاتهم، وهذا ما يستشعره الأسير خالد أبو ريالة في سجنه. تقول والدته "دائماً يقول خالد أن كل يوم يمر في حياته هو يوم للأم، فهو كيوم اليتيم الذي يشعر بمرارة فراق أمه عنه، لكن الفرق أن اليتيم يعرف أنه لن يرى أمه، لكني لا أعرف هل سأرى ابني قبل أن أفارق هذه الحياة؟! وتستذكر حينما كان يهديها خالد (40 عاما) الهدايا ويأتي ليقبل رأسها، قائلة "كان دائماً يسألني ماذا ينقصك يا أمي في البيت ويأتيني به، لم أكن أحتاج شيء في وجوده". وفي يوم الأم لا تطلب والدة الأسير رائد الشيخ أحمد سوى أن يسمح لها هذا العالم بأن تزور ابنها ولو لمرة واحدة، إن لم يريدوا اطلاق سراحه. تقول في حديثها لـصفا "مر عليا 3 سنوات لم أستلم هدية ولا رسالة ولا رأيت صورته، حتى أصبحت أنتظر خروج الأسرى الأخرين لأطمئن على أخباره بدلاً من أن أنتظر خروجه هو، وهذا من حزني على فراقه". وتتابع "أنا عندي ولديْن وأربع بنات، لكن فراق رائد جعله يوزن غلاتهم جميعاً، وأتمنى من الله أن يطعمني نعمة رؤيته حتى يكون بيننا في عيد الأم القادم". وتناشد شرفاء العالم بالتدخل لدى الاحتلال الإسرائيلي والضغط عليه ليسمح لها ولكافة ذوي الأسرى بزيارة أبنائهم والاطمئنان عليهم ووقف ممارسات التعذيب بحقهم.
