قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في أول رد على الانتقادات الشديدة لقراره تأجيل طرح تقرير لجنة غولدستون الأممية أمام مجلس حقوق الإنسان: إن "هذا التأجيل تم بالتوافق بين كل المجموعات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بغض النظر عن إنكار الكثيرين لذلك".
وأوضح الرئيس في خطاب تلفزيوني مساء الأحد أن تأجيل التقرير جاء بعد دراسة الموقف من كل جوانبه ولتوفير أكبر عدد من المؤيدين لمشروع القرار الخاص به مسبقًا، وحتى يتحقق الهدف المرجو منه والحيلولة دون تفريغ التقرير من مضمونه السياسي.
وأكد عباس على أن مجريات الأمور وملابساتها ستكون متروكة للجنة التحقيق التي أمر بتشكيلها، مشددًا على أن القيادة ستلتزم بنتائج أعمال اللجنة "وإذا وجدت اللجنة أي خطأ قد وقع بالنسبة للتأجيل فلدينا من الشجاعة لتحمل المسؤولية والقول بإننا قد أخطأنا".
وفي سياق إعادة التقرير إلى البحث، قال الرئيس إنه أعطى تعليماته للسفير الفلسطيني في جنيف بغرض الاتصال بدول المجموعات المعنية لعقد اجتماع استثنائي لمجلس حقوق الإنسان من أجل بحث التقرير والتصويت عليه، إلى جانب التحرك في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لنفس الهدف وصولاً إلى معاقبة الاحتلال على جرائمه.
وشدد الرئيس عباس على أن السلطة لم تأبه للضغوط بعد العدوان الأخير على قطاع غزة وكانت أول من اتصل بمحكمة الجرائم الدولية وعملت بمثابرة لأجل تشكيل لجنة تحقيق برئاسة القاضي جولدستون.
وأضاف "رحبنا بتقريرها وعملنا على صياغة مشروع قرار ليتم تقديمه عبر الدول الصديقة والشقيقة ليدعم تنفيذ توصيات اللجنة، وقمنا باتصالات لحشد أوسع تأييد لمشروع القرار من المجموعات العربية والاسلامية وغيرها".
وقال الرئيس إن "مشروع القرار المقترح قوبل بمواقف متباينة بين الرفض الكامل أو الجزيء أو عدم تبني موقف واضح من دول رئيسية في المجلس ومنها 6 دول عربية ليست فلسطين إحداها".
وشدد على أن الطرف الفلسطيني رفض بشدة تعديلات طرحت لشطب أو تغيير فقرات في القرار قدمت من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي والصين وغيرنا.
وأوضح أن هذه التعديلات حاولت إفراغ مشروع القرار من جدواه "بشكل لا يضمن محاسبة مجرمي الحرب وخلق مناخ يردع المعتدين ويوفر فرص أفضل لشعبنا".
وشدد عباس، في خطاب المكاشفة كما وصف حديثه، إن الهدف من جهود السلطة الفلسطينية في تقرير جولدستون لم تكن تسجيل فرقعة إعلامية، انطلاقا من القناعة بأن "تضحيات شعبنا أقدس من أن نجعلها سلما لتحقيق مكاسب ضيقة أو أن نستغلها في المناكفات الرخيصة".
وأكد عباس على أن الطرف الفلسطيني واجه ضغوطات شرسة أرادت سحب التقرير من مجلس حقوق الإنسان، وفي ظل عدم توفر الضمانات الكافية تم تأجيل القرار إلى الدورة القادمة بعد أن أصبح وثيقة رسمية ولها رقم رسمي في سكرتاريا المجلس.
وردًا على ردود الفعل الغاضبة التي اجتاحت الشارع الفلسطيني تجاه تأجيل التقرير، قال عباس إنه أصغى باهتمام إلى "تفاصيل الجدل الصاخب حول تأجيل التقرير"، معبرًا عن احترامه للآراء التي عبرت عنها فصائل منظمة الحرير ومؤسسات المجتمع المدني مدركا دوافعها الوطنية.
ولكن في الوقت نفسه، هاجم الرئيس حركة حماس وبعض القوى ووسائل الإعلام كما قال، مؤكدًا أنه لم يكترث "للمهاترات التي انحدرت إلى مستوى غير مسبوق، ونحن لا نأخذ شهادات الإيمان والوطنية من أحد وبخاصة من حماس".
واتهم عباس حركة حماس باستغلال التقرير من أجل التهرب من استحقاقات توقيع المصالحة "لتكريس الإمارة الظلامية ومواصلة ضرب وتشويه المشروع الوطني لصالح مشروع مشبوه يتساوق مع مخططات إسرائيل".
وهاجم عباس حركة حماس بالقول إن إثارة موضوع تأجيل التقرير بهذا الشكل جاء بشكل يتوافق مع مخططات إسرائيلية لتنفيذ رؤية إقامة دولة ذات الحدود المؤقتة بالحديث عن هدنة طويلة الأمد تشطب قضيتي القدس واللاجئين، بشكل يصرف الأنظار عن معركة القدس ومواجهة الاستيطان.
وتطرق الرئيس عباس في خطابه، إلى التصعيد الإسرائيلي بمدينة القدس عبر مصادرة البيوت والأراضي والاستيطان وعمليات التطهير العرقي وتهويد المدينة واستهداف المسجد الأقصى.
وشدد على أن القدس هي بوابة ومفتاح السلام في المنطقة، مؤكدا أن ما وصفه "العبث بالمدينة المقدسة هو إذكاء لنار التوتر والحروب في العالم" وأنه لم يكون هناك أي اتفاق سلام لا يتضمن إنهاء الاحتلال للقدس.
وفيما يتعلق بالتطورات على صعيد العملية السلمية ومحاولة استئناف المفاوضات، قال الرئيس عباس إن السلطة الفلسطينية لا تزال محافظة على موقفها المطالب بتوفير متطلبات إعادة إطلاق عملية السلام والمفاوضات وفي مقدمتها الوقف الشامل للنشاطات الاستيطانية وتحديد واضح لمرجعية عملية السلام بما يؤمن إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 67.
وفي هذه الأثناء، شدد عباس على أنه وفي الوقت الذي تخوض فيه القيادة التحديات على جبهتي القدس والسلام، فهي ما زالت نعمل على تحقيق الوحدة لإنهاء الانقسام بهدف إنهاء الحصار الجائر عن قطاع غزة.
وقال: "تجاوبنا مع جهود مصر وأبدينا كل الإشارات الايجابية وقدمنا كل المسهلات و أزلنا العوائق رغم كل الممارسات التي يشهدها غزة"، مؤكدا على ضرورة العودة للاحتكام إلى الشعب انطلاقًا "من الإيمان العميق برفض الاحتكام للسلاح ورفض الممارسات الانقلابية في العمل الوطني" على حد تعبيره.
