تنتظر الحاجة سلمى الربعي (68 عاماً) بعد أن اتكأت بعصاها اللوزية المرقطة بالسواد لتبدأ بالاستماع بصعوبة إلى حفيدتها إيمان التي أصبحت تعرف مهمتها من بعد صلاة العصر، حيث تجلس إلى جدتها وتقرأ لها الشريط الإخباري الأحمر والأخضر لفضائيتي "فلسطين" والأقصى".
وقالت الحاجة الربعي وهي تحاول إرجاع شعيرات رمادية مخضبة تتسلل من جوانب غطاء رأسها:إنها تنتظر إيمان (13 عاماً) يومياً أن تخبرها باختفاء عبارات "وقائي عباس يختطف" و"ميليشيات حماس تعتقل" إيذاناً بتوصل حماس وفتح إلى المصالحة وانتهاء حقبة النزاع".
وسيطرت مشاعر الإحباط وخيبة الأمل على مئات الفلسطينيين بعد إعلان تأجيل جلسة الحوار الوطني المنعقدة في القاهرة إلى نهاية الشهر الجاري.
وقال المواطن عمار الشنطي (36عاماً): "لا حوار، وإن وجد فهو مضيعة للوقت لا أكثر".
وأضاف الشنطي الذي يمتلك محلاً تجارياً في شمال مدينة غزة: المعتقلات سواءً في غزة أو الضفة لا زالت مليئة بـ"الغلابة"، ومن يراقب المتحاورين في القاهرة يكفيه أن يرى أن "قلوبهم ما زالت تعج بالنوايا السيئة وإن تصافحوا أمام الكاميرات".
وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية في مؤتمر صحفي بمدينة غزة السبت إن "رسالة بعثتها فصائل منظمة التحرير إلى وفد فتح المحاور في القاهرة بأنها غير ملزمة بنتائج الحوار أدت إلى تعطل الوصول إلى اتفاق فلسطيني ونجاح الحوار".
وبينّ الحية أن الرسالة تتضمن رفض الفصائل صيغة تشكيل القوة الأمنية واللجنة الفصائلية لإدارة المرحلة الانتقالية، لافتاً إلى أن حركة "فتح" تراجعت عما جرى التوصل إليه في اليوم الأخير من الجولة السادسة للحوار في أعقاب هذه الرسالة.
وأرجئت القاهرة بشكل مفاجئ الحوار الفلسطيني إلى الخامس والعشرين من تموز/يوليو الجاري لعدم توصل طرفي الحوار إلى اتفاق حول القضايا العالقة.
وكان تاريخ السابع من الشهر الجاري موعداً من قبل وزير المخابرات المصرية عمر سليمان لتوقيع الاتفاق.
ويرى المسن يونس صيام (72 عاماً) أن أي حوار يجب أن يجري في الأراضي الفلسطينية أمام أعين الناس، وقال: إن أي اتفاق يتم خارج هذه الأرض مجرد "كلام يزيد الطينة بلةً".
وأبدى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري في رام الله تفاؤله من الجولة السابعة من الحوار الوطني، بالوصول إلى تقدم إيجابي ملحوظ، دون شرط إعلان "حماس" وفتح" تصالحهما.
وقال المصري: إن "اتفاقاً جزئياً وشيكاً سيمهد الطريق لإنهاء الانقسام الحاصل بين الطرفين؛ فالحديث عن قوة أمنية مشتركة هو الورقة المطروحة، وليس الحوار الوطني".
ورأى أن كلا الطرفين مجحف بحق الآخر؛ فكلاهما يعتقل ويحرض ولهما ارتباطات خارجية ولا يفكران بالتنازل عنها خشية على مواقعهم السياسية.
واتهم المصري كلا من "فتح" و"حماس" بالتعنت ورفض تقديم تنازلات، مشيراً إلى "شعور السلطة الفلسطينية بقوتها في رام الله وقوة فرض الإرادة، في حين الأمر مشابه لحماس في قطاع غزة".
ورأى المصري أن الحل الوسط لإنهاء حالة الانقسام يتمثل بقبول حل "التعايش" من خلال إبداء "حماس" مرونة في التنازل عن الدخول بقوة إلى أروقة الحكومة، وقبول السلطة الفلسطينية بوجود الآخر ومنحه فرصةً للمشاركة.
ويرى المواطن إياد الهسي (27 عاماً) في رفح أن التأجيل الأخير لجلسات الحوار يعبر عن عدم جدية المتحاورين في التوصل لاتفاق، مشيراً إلى أن التأجيل المستمر ولفترات متباعدة هي حجة الفشل.
وأشار الهسي إلى أن الحل يتمثل في نزول المواطنين بالآلاف إلى الشوارع وتنظيم احتجاجات مستمرة كما فعلت المعارضة اللبنانية في بيروت ليجبر طرفي الحوار على التصالح بعد أن يشعروا بأن مناصبهم السياسية باتت مهددة.
ويعلق الكثير من الفلسطينيون آمالاً كبيرة على الحوار الأخير، خصوصاً بعدما أفرجت الأجهزة الأمنية التابعة لحركتي حماس والسلطة الفلسطينية عن بعض من معتقليها أواخر حزيران/يونيو الماضي كبادرة حسن نية تجاه الحوار.
ولعل تصاعد اللهجة الإلزامية المصرية الراعية للحوار الفلسطيني وتباعدها عن خط السلطة الفلسطينية في رام الله والتزام الحيادية من شأنه أن يعيد تمهيد الطريق أمام المتحاورين الأشقاء على ضفاف النيل.
