تواجه الهيئات والبلديات المحلية الفلسطينية المنتخبة في الضفة الغربية منذ عام 2005 عقبات متعددة أثرت بشكل كبير على قدرتها في إنجاز المشاريع الخدماتية، وكان للانقسام الفلسطيني دورا في عرقلة أنشطتها بالإضافة إلى انحياز المانحين واعتقال الاحتلال لأعضائها.
ولم تكن المجالس البلدية بمنأى عن استهداف الاحتلال الإسرائيلي الذي شمل أعضاء المجالس المنتخبة في حملات اعتقال شملت أعضاء مجلس تشريعي ومسئولي جمعيات وأعضاء هيئات محلية منتخبة، بل وصل بها الأمر إلى وضع العراقيل أمام عمل المجالس البلدية المنتخبة.
ويشرع جيش الاحتلال الإسرائيلي بصورة مستمرة باقتحام مقرات البلديات وخاصة التي ترأسها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وتخريب محتوياتها ومصادرة العديد من الملفات الهامة.
وزيادة على ذلك، شرعت الدول المانحة في التضييق على تلك البلديات، فأصبحت تمتنع عن تمويل مشاريعها الحيوية كما اعتادت فعله سابقا، بل أصبحت تتعمد دعم بلديات أخرى لا يرأسها أعضاء مقربون من حماس، وتتبع سياسة الانتقائية في التعامل معها وتتجنب زيارتها ولقاء رؤسائها.
"استقل نطلق سراحك!"
وتمثل بلدية مدينة البيرة وسط الضفة الغربية أبرز الصور التي تعكس مضايقات الاحتلال وتضييق المانحين، فتم اعتقال رئيسها المنتخب جمال الطويل عدة مرات من قبل الاحتلال الأمر الذي لم يمكنه من القيام بعمله سوى أشهر معدودة من أصل أربع سنوات، كما اعتقل بعض الأعضاء فيها لفترات متباينة، في حين ما زال أحد أعضائها أسيراً حتى الآن منذ أكثر من عام.
ويؤكد القائم بأعمال رئيس بلدية البيرة حسن الشيخ قاسم أن سلطات الاحتلال تتعمد اعتقال رؤساء البلديات وأعضائها للتضييق على عملها، وأنها تحقق معهم على خلفية عملهم في المجالس البلدية.
ويذكر الشيخ قاسم في حديث خاص لوكالة "صفا" أن أحد المحققين قال لرئيس البلدية المعتقل-الشيخ جمال الطويل- :"استقل من رئاسة بلدية البيرة نطلق سراحك فوراً"، في إشارة إلى اعتبار رئاسته للبلدية تهمة تستحق السجن.
وينوه الشيخ قاسم إلى أن جيش الاحتلال قام باقتحام مقر البلدية عدة مرات خلال العام الماضي، ودمر بواباتها الرئيسية وأجرى تخريبا واسعا في دوائرها، إضافة إلى تصوير كل غرفة داخل المبنى ومصادرة ملفات مهمة تابعة للموظفين.
ويبين القائم بأعمال رئيس البلدية، أن أحد موظفي البلدية الذي أفرج عنه الاحتلال مؤخرا ممنوع من متابعة عمله داخل البلدية بقرار من ضباط جيش الاحتلال المسئول عن المنطقة، حيث يمنعه الاحتلال من متابعة عمله فيها والمشاركة باجتماعات الموظفين.
"الاحتلال أبرز التحديات"
واعتبر الشيخ قاسم أن المضايقات التي تمارسها قوات الاحتلال تؤثر بشكل كبير على المواطنين الذين وضعوا ثقتهم في شخص بعينه لم يتسن لهم التواصل معه بسبب تغييبه في السجون، مضيفاً "أن التأثير بعيد المدى يظهر في تخوف أي شخص من الترشح في أي انتخابات قادمة بسبب الظروف الأمنية التي أوجدها الاحتلال بعد الانتخابات الأخيرة".
ولا يتردد الشيخ قاسم في وضع الاحتلال كأبرز التحديات التي تواجه بلدية البيرة، فيقول: "إن العديد من المشاكل التي تعمل البلدية على حلها سببّها الاحتلال بالمقام الأول، كمشكلة مسلخ بلدية البيرة المغلق بأمر احتلالي منذ أربع سنوات مما أثر بشكل سلبي على المواطنين، إضافة إلى مشكلة مكب النفايات الذي لا تفتحه سلطات الاحتلال إلا لساعات قليلة في أيام محددة، ومشاكل الصرف الصحي التي تسببها المستعمرات المحيطة بالمدينة".
وتحدث الشيخ قاسم عن مشكلة أخرى تواجه المجالس البلدية وهي الحاجة إلى تعديل القانون المتعلق بالهيئات المحلية، آملاً في أن يتم هذا التعديل ويتم الالتزام به من قبل كل المجالس.
وأضاف:" رغم كل ما واجهناه من صعوبات تمكنّا من تنفيذ مشاريع هامة كشق الطرق وتعبيدها وإكمال شبكات الصرف الصحي حتى أصبحت ما نسبته 96% من المدينة مغطاة بشبكات الصرف الصحي، وأيضا قمنا ببناء ثلاث مدارس وإنشاء ملاعب رياضية وحدائق عامة".
انحياز المانحين
ولفت الشيخ قاسم إلى صورة أخرى من المضايقات التي تتعرض لها البلدية، وهي تحيز الجهات المانحة وعدم تقديم الدعم المالي لتلك المجالس المنتخبة، موضحاً أن عدة مشاريع توقف تنفيذها بسبب قلة الدعم الذي كان من المفترض أن يصل من الولايات المتحدة، ولكنها امتنعت عن تقديم ذاك الدعم بسبب تبعية فوز حركة تصفها بـ(الإرهابية) برئاسة هذه الهيئة.
ويؤكد الشيخ قاسم أن تمويل معظم المشاريع التي نفذت كان ذاتياً، وأن دعم المانحين للمجالس البلدية انحسر بعد فوز حماس بها، مبيناً أن بلديات أخرى لا ترأسها الحركة تلقت الدعم المالي الذي احتاجته من الدول المانحة دون أية مشاكل، ناهيك عن الميزانيات غير الكافية التي ترصدها وزارة الحكم المحلي للمجالس البلدية.
وتابع:" بعض المشاريع التي نقدمها لوزارة الحكم المحلي لا تتم الموافقة عليها، بل توافق الوزارة على جزء منها باعتبارها أولوية بينما نرى أن هناك مشاريع أكثر إلحاحا، فمثلا كانت لدينا مشاريع عاجلة بـ 15 مليون دولار ولكن الوزارة دعمتنا بثلاثة ملايين لتنفيذ بعضه فقط".
وتعتبر المشاريع المتعلقة بالصحة والبيئة وتوسيع الطرق والبنى التحتية من أكثر القطاعات حاجة لتمويل مستمر وكافي، مؤكداً أن بلديته تبحث عن مشاريع استثمارية لزيادة إيراداتها، وتحاول تنفيذ بعض الأمور كافتتاح مشروع النفق والسوق التجاري وسوق الجملة ومحطة الحافلات خارج المدينة.
مشهد آخر
أما بلدية بيت لقيا جنوب غرب مدينة رام الله فلم تكن أحسن حالاً، حيث اعتقل الاحتلال رئيسها ووضعه تحت الحكم الإداري لمدة ستة أشهر، إضافة إلى اعتقال أكثر من موظف فيها بينهم نائب رئيسها.
ويقول رئيس بلدية بيت لقيا حسن مفارجة والذي تم الإفراج عنه قبل أشهر قليلة من سجون الاحتلال، إن نصاب اجتماعات الموظفين لا يكتمل أغلب الأحيان بسبب تغييب بعضهم داخل السجون، لافتاً إلى أن بلديته متواضعة الإمكانيات بالنسبة للبلديات الأخرى الأمر الذي يفرض على الموظفين القيام بأكثر من مهمة خلال عملهم.
ويبين مفارجة في حديث لـ"صفا" أن غياب أي من موظفي البلدية يؤثر بشكل كبير على عملها بسبب قلة عددهم، منوهاً إلى أن التحقيق مع الأعضاء المعتقلين كان يتم على خلفية مهامهم داخل البلدية والترشح ضمن قائمة انتخابات ممنوعة.
العراقيل ذاتها
وتحدث مفارجة عن أبرز المضايقات التي تتعرض لها بلديته بالإضافة إلى اعتقال الأعضاء، حين تعمدت قوات الاحتلال إتلاف مصابيح الإنارة العامة المجاورة للبلدية بشكل متكرر بهدف تعطيل عملها.
ويعبر مفارجة عن استيائه من الموازنة الحالية المرصودة للبلدية من قبل وزارة الحكم المحلي، مؤكدا أنها لا تكفي لإتمام أية مشاريع، بل إن الميزانية كلها تأتي بدلاً من رسوم النقل على الطرق التي توفرها الوزارة، لافتاً إلى انحسار دعم المانحين للبلدية التي فازت بها حركة حماس.
وأضاف:" قمنا بالعديد من المشاريع ولكننا بشكل رسمي لا ترصد لنا أية ميزانيات، وإذا طالب رئيس البلدية بالدعم من قبل البعض ربما يتجاوبون معه...".
ورغم ذلك، يوضح مفارجة أن بلدية بيت لقيا استطاعت التغلب على بعض المشاكل ونفذت مشاريع مثل بناء مدرستين ثانويتين وتوسيع طرق حيوية وتغيير شبكات مياه وبناء مقر جديد للنادي الرياضي وبناء مركز طبي وتقوم حاليا بإنشاء ملعب لكرة القدم.
