آثار قرار إرجاء مناقشة تقرير "غولدستون" الذي يتهم "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب خلال العدوان الأخير على قطاع غزة لمدة ستة أشهر، بناءً على طلب من السلطة الفلسطينية ردود فعل غاضبة لدى الفلسطينيين ومنظمات حقوق الإنسان.
المراقب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة إبراهيم خريشة أكد سعي السلطة لسحب دعمها لمشروع القرار المتعلق بتبني توصيات تقرير "غولدستون"، في وقت نفت فيه الرئاسة الفلسطينية أن تكون "طلبت سحب أو إلغاء القرار".
وكان من المقرر أن يصوت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف على قرار يدين "إسرائيل" ويتهمها بالتقاعس عن التعاون مع فريق الأمم المتحدة للتحقيق في جرائم الحرب الذي رأسه "ريتشارد غولدستون" ويرفع تقريره إلى مجلس الأمن الدولي.
شكل انتكاسة حقيقة
ورأى حقوقيون ومحللون سياسيون أن قرار تأجيل التقرير يشجع "إسرائيل" على الاستمرار في ارتكاب جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، والمضي قدماً لارتكاب المزيد، مطالبين مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بالتراجع عن القرار والعمل على تبني توصيات التقرير.
وعد الحقوقيون والمحللون في أحاديث منفصلة لـ"صفا" السبت قرار التأجيل بأنه شكل انتكاسة حقيقة للسعي نحو العدالة، وأنه قرار غير مسؤول وانهزامي.
مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان عصام يونس أكد أن تلك الخطوة تشكل انتكاسة حقيقة للسعي نحو العدالة، كما تشكل خطورة شديدة، حيث يمكن توصيفها بأنها "المرة الأولى التي يكافأ بها الضحية جلاده".
وقال يونس:" كان من المفترض أن يصادق مجلس حقوق الإنسان أمس على توصيات التقرير حول جرائم الحرب في غزة، ولكننا فوجئنا بقرار التأجيل من قبل السلطة الفلسطينية إلى شهر مارس المقبل".
وأضاف أن "إسرائيل كانت دوماً تسعى لعدم إصدار قرار بتشكيل اللجنة، كما سعت لعدم تبني توصيات التقرير من قبل مجلس حقوق الإنسان، الأمر الذي شكل خطرًا على ما نقوم به من عمل للعدالة على الرغم من أن حجم الدم والدمار في غزة يستوجب الوقوف بمنتهى الحزم تجاه ما حدث".
وطالب يونس المجتمع الدولي بعدم التعامل مع طلب تأجيل تقرير "غولدستون" والعمل على تبني توصياته، لأن ما حدث لا يمكن أن يخفيه أحد.
وحول دور منظمات حقوق الإنسان عقب طلب تأجيل التقرير، أكد يونس أن منظمات حقوق الإنسان ستبقى مصممة على ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، والعمل على تقديمهم للمحاكم الدولية، وستضاعف جهودها نحو تحقيق العدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
الإجماع ليس شرطاً
واستهجن يونس ما جاء على لسان المراقب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم خريشة من أن إرجاء التقرير جاء كي نضمن الحصول على إجماع المجلس وليس بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية.
وكان خريشة أكد سعي السلطة لسحب دعمها لمشروع قرار مناقشة التقرير، مضيفًا أن "الفلسطينيين بدورهم يفضلون أن يحصل القرار على إجماع المجلس، حتى تنبثق عنه قرارات مهمة تنصف حق الفلسطينيين، ولذلك فضلوا منح المزيد من الوقت للدول لدراسة التقرير ومناقشته في مارس/آذار القادم".
وأوضح يونس أنه لم يسبق إن كان هناك أي قرار يتعلق بالأراضي الفلسطينية اتخذ بالإجماع، معتبرًا أن الإجماع ليس شرطًا وهو غير مطلوب على الرغم من وجود الأغلبية.
وأشار إلى أن التقرير كوثيقة قائم ومليء بالحقائق والوثائق، ولابد من العمل على تحريكه باتجاه تبني توصياته وإحالته إلى مجلس الأمن الدولي لرفعه إلى محكمة الجنايات الدولية لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين وتقديمهم للعدالة الدولية.
وأكد يونس أن تأجيل التقرير سيشجع "إسرائيل" على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، "لأن عدم قدرة المجتمع الدولي على تطبيق أحكام القانون سيقوض العدالة، وسيعطيها فرصة للمضي قدمًا نحو ارتكاب المزيد من الجرائم".
من جانبه، أعرب المحلل السياسي طلال عوكل عن استغرابه من أن تأجيل التقرير يأتي من الطرف الفلسطيني، مرجحاً أنها جاءت نتيجة ضغوطات أمريكية وإسرائيلية على السلطة الفلسطينية وأطراف أخرى في مجلس حقوق الإنسان.
وقال عوكل:" من المستغرب أن تأتي هذه الخطوة فيما "غولدستون" وأطراف عديدة متحمسون لمتابعة التقرير الذي يتهم "إسرائيل" بارتكاب جرائم الحرب بحق الفلسطينيين".
وأوضح أن التقرير لم ينته بعد ولم يوضع على الرف، "حيث أن هناك فرص لمتابعته مرة أخرى"، عازياً ذلك إلى أن واضعي التقرير متحمسون لمتابعته، كونه أصبح تقرير دولي وقانوني له أبعاد سياسية.
وأشار عوكل إلى أن "إسرائيل" لا تحتاج ولا تنتظر أي قرار لتنفيذ جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، "فتاريخها حافل بالجرائم ضد الفلسطينيين بتغطية من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة".
وأكد أن تهرب المجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه "إسرائيل" هو من يشجعها على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وكأنها دولة فوق القانون.
قراراً غير مسؤول
المحلل السياسي هاني المصري عد قرار التأجيل بأنها فضيحة وقرار غير مسؤول وانهزامي، كما أنه خدمة مجانية لسياسية "إسرائيل" العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني.
وقال المصري في حديث لـ"صفا": إن "ما حدث يستوجب الوقفة عنده والتراجع عن هذا القرار بشكل فوري، كونه يدل على مدى الأوهام حول عملية التسوية السلمية ومفاوضات السلام".
وطالب بضرورة العمل بشكل عاجل لملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين وتقديهم للعدالة الدولية، والعمل على وقف كافة الممارسات الإسرائيلية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني.
وعزا طلب تأجيل التقرير إلى الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، لأنه من أجل بقاء السلطة واستئناف مفاوضات السلام يجب أن نضحي بحقوقنا "، كما قال.
وفي رده على سؤال حول تداعيات تأجيل التقرير، أوضح المصري أن تأجيل التقرير يشجع "إسرائيل" على الاستمرار في جرائمها تجاه الشعب الفلسطيني، ويعطيها فرصة لارتكاب المزيد.
وقال المصري:إن "المطلوب فلسطينيًا هو العمل على إعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وتغيير السياسة الفلسطينية الانهزامية والشعور بالعجز وتقديم المزيد من التنازلات".
