تحوَّل حفل ترفيهي ضمّ أكثر من مائة طفل إلى تجمّع للأطفال الناجين والمتضررين من الحرب، يستذكرون مآسيهم ويبحثون واقعهم ويناقشون ويصرخون ويعترضون ويوافقون كأنه تجمع لمسئولين أو وزراء، تشعر في وجوههم بصدق الانتماء وقوة الإرادة والنظرة الثاقبة نحو المستقبل.
واجتمعت الطفلات ألماظة، وزينب، ومنى السموني الذين فقدوا 29 فردا من العائلة، وجميلة الهباش التي فقدت ساقيها أثناء الحرب ولؤي صبح الذي فقد بصره ودلال أبو عيشة وسماح بعلوشة اللتان فقدتا عددا من أفراد عائلتيهما، بدعوة من "نادي الصحفي الصغير" في حفل كبير.
ولم ينسهم جمال المكان في قاعة مطعم ومنتجع المتحف على شاطئ بحر غزة، مشاهد الحرب القاسية التي يستحضرونها في كل لحظة، فتقفز الدموع مسرعة في عيونهم البريئة، لكن سرعان ما تعود الروح إلى الجسد فتسري فيه الحياة ليعلن الأطفال أنهم لن يموتوا وسيواصلوا رحلة التحدي.
وقالت الصحفية الصغيرة إيمان أبو واكد (15 عاما) الناطقة باسم الأطفال الناجين من الحرب: "لن تقهرنا الحرب، بل زادتنا قوة رغم آلامها وقسوتها، فالأطفال زملائي أصبحوا يتطلعون للمستقبل أكثر من ذي قبل وأصبح لديهم أهداف وطموحات يسعون إلى تحقيقها، لقد تكونت شخصيات أقوى لديهم".
الطفلة أبو واكد التي شاركت في العديد من الفعاليات وألقت كلمات في احتفالات ومؤتمرات صحفية، تجد لديها قدرة متميزة على مخاطبة وسائل الإعلام، التي كانت تتحدث بدون أن تتلعثم أو تفكر طويلا للإجابة على تساؤلات الصحفيين.
صقلتنا الحرب
ومع قدرتها على التحدث والمخاطبة تقول أبو واكد: "الأطفال جميعهم الناجين من الحرب الذين انضموا إلى النادي أصبحوا متحدثين ولديهم الحجة القوية في الدفاع عن أنفسهم وإقناع الآخرين، فقد صقلتنا الحرب جميعا رغم نيرانها".
واستذكرت زميلتها التي غابت عن الاحتفال، الطفلة أميرة القرم المتواجدة حاليا في فرنسا للمعالجة وللإدلاء بشهادتها أمام محكمة جنيف لمحاكمة الاحتلال على جرائمه ضد الأطفال، وكانت أميرة قد فقدت والدها واثنين من أشقائها وتركت تنزف لمدة خمسة أيام قبل أن يتم إسعافها.
وكانت إيمان ظهرت في وقت سابق في برنامج "لقاء مفتوح" مع الصحفي غسان بن جدو،عبرت فيه عن آلام وآمال زملائها وزميلاتها الأطفال خلال الحرب القاسية على غزة وظروفهم النفسية الصعبة في الوقت الحالي.
وكان "نادي الصحفي الصغير" عرض مسرحية "محاكمة قاتل الأطفال" التي استقطبت اهتمام وسائل الإعلام، خاصة أن ممثليها هم من الأطفال الناجين أنفسهم.
وتقول عنها أبو واكد: "عرضنا المسرحية على خشبة المسرح وكلنا أمل أن تتحول إلى محاكمة حقيقية أمام المحكمة الجنائية الدولية، لنصرخ بقوة في وجه العدالة الدولية التي لم تنصف أطفال فلسطين".
ولإيصال صوتهم مباشرة إلى المسؤولين، أصر الأطفال الناجون من الحرب على مقابلة رئيس الحكومة الفلسطينية بغزة إسماعيل هنية خلال أيام العيد وتحدثوا إليه، داعين الحكومة إلى تبني ورعاية الأطفال ضحايا الحرب بصورة تليق بكرامتهم وطفولتهم.
بأي ذنب فقدتها..!
الطفلة جميلة الهباش قالت وهي تمسك بكاميرا لتصور الحفل: "رغم أني فقدت ساقي لكنني ما زلت متشبثة بالأمل في أن أكون صحفية، وأسعدني كثيرا انضمامي لنادي "الصحفي الصغير" وأشكر زميلاتي في النادي اللواتي غمرنني بالحب والحنان ولم أعد أشعر بأي نقص".
وأصر الطفل لؤي صبح على توجيه رسالة إلى العالم قال فيها متسائلا: "بأي جريمة اقترفتها أفقد بسببها نعمة البصر".
وانتهز الأطفال فرصة احتفالهم بالأمسية للاحتفال بيوم ميلاد الطفلة دلال أبو عيشة، مما أضفى أجواء من الفرحة والسعادة الغامرة عليهم، والتي تضاعفت مع الفقرات الفنية الشائقة والوصلات الإنشادية لعدد من الفنانين الذين غنوا برفقة الأطفال للأمل وللحرية ولمستقبل أجمل.
كما تخلل المهرجان فقرات الدمى والمهرجين والألعاب والمسرح والمسابقات وتوزيع الهدايا والجوائز على جميع الأطفال الذين شاركوهم الرقص واللعب.
وقال رئيس النادي غسان رضوان: "بادرنا بجهود ذاتية بضم جميع هؤلاء الأطفال إلى النادي مع التكفل برعايتهم والاهتمام بهم وإبراز قضيتهم أمام العالم في محاولة للتخفيف عنهم ودعمهم ماديا ومعنويا ونفسيا".
وأوضح رضوان "أن النادي أقام لهؤلاء الأطفال سلسلة من البرامج ضمت إقامة الاحتفالات بأعياد الميلاد وزيارة مدراس ومقرات اللجوء والأطفال الجرحى في المستشفيات وإنتاج الأفلام الوثائقية التي تتحدث عنهم".
