تزداد وتيرة الاستعمار اليهودي بشكل ملحوظ في محافظات الضفة الغربية والقدس المحتلة في الآونة الأخيرة، بينما تعيش مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية ظروفاً أكثر قهراً تتجلى فيها معاناة الشعب الفلسطيني.
ففي حين تتواصل معاناة وحصار نصف مليون فلسطيني، يعيش نحو 16 ألف مستعمر يهودي في قلب المدينة ومحيطها بحرية كاملة برفاهية في 27 بؤرة ومستعمرة تستولي على 600 ألف دونم من أراضي محافظة الخليل تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال ووسط انتهاكات لحقوق السكان الأصليين لا تتوقف عند حد معين.
مراسل وكالة "صفا" تجول في الخليل ومحيط التجمعات الاستعمارية اليهودية المقامة في مختلف أنحاءها.
نشاط مكثف
بدأت الجولة من حاجز "ميتار" الإسرائيلي على حدود منطقة بئر السبع الواقعة في لواء النقب المحتل عام 1948، والذي يقام على أراض تابعة لبلدة "السموع" الواقعة جنوب الخليل، ويستولي على مئات الدونمات الزراعية في المنطقة.
على جانبي الطريق تجد المستعمرات المقامة حول المدينة من الجنوب إلى الشمال، فيما لم تخل أية مستعمرة من أعمال بناء وتوسع على حساب أراضي الفلسطينيين، بالإضافة إلى الشوارع الالتفافية الواسعة وشبكات المياه والكهرباء، التي تمتد على حساب أراضي الفلسطينيين الزراعية في الخليل.
كل ذلك يأتي من أجل خدمة المستعمرين اليهود في بؤرهم الاستعمارية الموزعة على رؤوس الجبال والهضاب، والمناطق الزراعية والسكنية في المنطقة.
وتحيط بكل بؤرة استعمارية تحصينات عسكرية وأمنية كبيرة من جدران وأسيجة منصوبة حولها، بالإضافة إلى الأبراج العسكرية العالية ودوريات الجيش المنتشرة حولها، في إشارة إلى حقيقة الموت الأكيد لأي فلسطيني يقترب من حدودها.
وحسب شهادة مواطنين، فإن أعمال التوسع والبناء مستمرة في المستعمرات، مشيرين إلى أن أية بؤرة تبدأ بخيمة وعدد قليل من المستعمرين وبعدها تتوسع وتقام الغرف والبيوت المتنقلة "الكرافانات" وتقام المستعمرة في النهاية.
ويؤكد المواطنون الذين قابلهم مراسل "صفا" أن كافة أعمال البناء في المستعمرات تتم تحت رعاية وحماية الإدارة المدنية الإسرائيلية وجيش الاحتلال، وتبقى في ازدياد وتطور وتوسع على حساب أراضي المواطنين ورزقهم.
ملف مهمش
وفي السياق ذاته، يقول الخبير في شؤون الاستعمار عبد الهادي حنتش :" إن هذا الملف مهمش في مفاوضات التسوية السياسية مع الاحتلال"، مشيراً إلى أن المفاوضات في موضوع الاستعمار تركز على الجانب السياسي فقط.
ويضيف أنه لا يوجد أي اهتمام كبير من قبل المؤسسات الحقوقية أو الدولية بهذا الملف، موضحاً أن أي اهتمام يكون محكوماً بأهداف وطبيعة المشرفين والداعمين لها.
ويحصي حنتش أعداد المستعمرين اليهود في محافظة الخليل بحوالي (16 ألف مستعمر)، بينما يقدر عدد الأراضي المصادرة لصالح المستوطنات بحوالي (600 ألف دونم)، يضاف إليها الأراضي التي صدر بها قرارات عسكرية إسرائيلية.
في الوقت ذاته، يشتكي مزارعون فلسطينيون من منعهم من دخول أراضيهم القريبة من المستعمرات الإسرائيلية، كما حدث مع المواطن حماد النواجعة الذي يسكن بمحاذاة مستعمرة "سوسيا" المقامة على أراضي بلدة يطا، إلى الجنوب من مدينة الخليل.
وأكد النواجعة لوكالة "صفا" أن الاحتلال منعهم من دخول أراضيهم القريبة من المستعمرة قبل نحو أسبوع، وما زال المنع قائماً حتى اللحظة، دون أية حجة يقدمها جيش الاحتلال.
ويوضح أن اعتداءات سكان المستعمرة على المزارعين وأراضيهم في المنطقة بازدياد، حيث أقاموا غرفاًَ جديدة على أراض في محيط المستعمرة وضموها إليهم.
حصار ومعاناة
ويعبر النواجعة عن حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون في تلك المنطقة، مؤكداً أن المزارعين الذين يقطنون في محيط المستعمرة يتعرضون بين الفينة والأخرى لاعتداءات المستعمرين.
ويضيف أن المستعمرين يهاجمون السكان بالعشرات ويتعرضون لهم بالضرب وقذف الحجارة باتجاههم ويعتدون على الأغنام والمحاصيل الزراعية، بينما لا يتمكن المواطنون من الدفاع عن أنفسهم، نظراً للحماية التي يوفرها الجيش للمستعمرين.
وتفيد التقارير أن البلدة القديمة في الخليل تعيش حصاراً شاملاً منذ بداية انتفاضة الأقصى عام 2000، حيث أغلقت قوات الاحتلال البلدة القديمة، وفرضت حصاراً شاملاً على مداخلها، وأقامت عدداً من البوابات، ناهيك عن تحديد أوقات دخول وخروج سكان المنطقة لبيوتهم.
وتشير الإحصائيات إلى أن قوات الاحتلال تغلق (13 شارعاً) و(587 محلاً تجارياً) في البلدة القديمة حالياً، بينما توجد (20) نقطة مراقبة عسكرية لجيش الاحتلال فوق أسطح مبانٍ مأهولة بالسكان، فضلاً عن وجود (30) حاجزاً أسمنتياً وترابياً، و(7)حواجز متفرقة.
ويضاف إلى ذلك عدداً من المدارس المغلقة والمعاناة التي يعيشها التلامذة أثناء ذهابهم وإيابهم إلى مدارسهم والحواجز العسكرية التي يمرون بها، في محاولات إسرائيلية متواصلة لتهجير البلدة من أهلها وإحلال مستعمرين مكانهم، يوصفون بأنهم من أشد اليهود تطرفاً وحقداً وعنفاً ضد الفلسطينيين.
بينما تغلق البلدة ويغلق الحرم الإبراهيمي وقت الأعياد اليهودية، ويمنع المواطنون من ممارسة حقهم في العبادة والصلاة داخل الحرم، كما سجلت عشرات حالات منع إقامة الآذان في الحرم.
