تنتظر والدة الطفل ممدوح الماشي (8 سنوات) وإخوته من حوله بأمل ضعيف اللحظة التي يستفيق فيها من حالة السبات العميق الذي يأخذه إليه اشتداد مرضه يوماً بعد يوم، راجين أن يقضي العيد بينهم، ليرى ملابس العيد والهدايا التي وضعوها حوله.
ورغم تلهف والدة ممدوح المصاب بورم سرطاني في المخ لتعافي طفلها، أو على الأقل ألا يشتد عليه المرض أكثر، إلا أنها تعضّ يديها وهي ترى ابنها يموت في كل لحظة، وتخشى أن يكون يوم العيد يوم حزن على ممدوح!.
تقول الأم عايدة الماشي:"المرض يأكل جسد ممدوح من ست شهور، حتى أصاب رأسه وينزف دم على مدار الساعة، وما عاد يتكلم، إلا يئن وينادي دون أن أعرف ما يريده".
ولم تتمالك الأم نفسها وهي تنظر إلى طفلها المغيّب وتناديه بقولها "اصح يا ممدوح، جئنا لك بهدايا وملابس للعيد، اصح يا أمي الكل ينتظرك، يكفي لحالنا هَمّ بهَمّ".
ويعدّ الطفل الماشي واحداً من عشرات مرضى الأمراض المزمنة من الأطفال، والذين يرقد عدد منهم في مستشفى الأطفال التخصصي بمدينة غزة، وهم في أمس الحاجة إلى تحويلات للعلاج بالخارج، ويفقدون حياتهم في انتظارها، كان أخرهم الطفلة منى قنديل التي توفيت قبيل أسبوعين وهي تنتظر تحويلة للخارج.
مأساة أسرته
وتحيا أسرة الطفل الماشي المكونة من 12 فرداً أوضاعاَ معيشية متدنية، حيث يقيم جميع أفرداها في منزل يتكوّن عن غرفة واحدة، إضافة إلى أن رب الأسرة معطّل عن العمل منذ 12 عاماً، ويعاني من حالة نفسية تسوء عليه منذ إصابة طفله بالمرض.
وتصف والدة الطفل معاناة أسرتها التي تقطن مخيم النصيرات وسط القطاع في ظل مرض طفلها قائلة: "من يوم مرض ممدوح وحال أولادي بالويل، حتى مع جوعهم والقلة لا يشتهوا شيء، لا أكل ولا لبس ولا عيد ولا غيره".
ويزداد حمل هذه الأم مع تفاقم الأزمة النفسية على زوجها، والذي حاول عدة مرات أن ينتزع طفله الذي يبدو كالأموات من المشفى، وهو يقول "أريده أن يموت في بيته، مادام لا أحد يشفيه".
ويعجز هذا الأب حتى عن توفير الحفاظات "البامبرز" اللازمة لطفله، والتي يحتاج إلى 50 شيقل كل يومين لشرائها.
حكاية مع العيد
وللعيد مع هؤلاء الأطفال المرضى حكاية، ففي وقت سيقضيه عدد منهم داخل المستشفى نظراً لعدم تحمل حالتهم الخروج من المشفى، يشعر بعضهم ممن سيخرجون لقضائه في بيوتهم بالفرحة التي تنسيهم آلامه ولو لبرهة من الوقت.
الطفل ممدوح الذي يعتبر الحالة الأكثر تدهوراً في وضعه الصحي على موعد مع جلسة للعلاج الكيماوي يوم الأحد، الذي يصادف عيد الفطر السعيد، لكن تغيّبه عن الوعي في أغلب الأوقات يضع الأطباء في حيرة وعجز أمام حالته.
وتضيف والدته "يوم العيد له جلسة علاج كيماوي، وهو أصلاً ذبحه وسبب له نزيف لأنه لا يتحمله، وفوق هذا أصيب بشلل نصفي ولا يرى شيئاً، ولا يقدر على الجلسة طالما هو فاقد للوعي هكذا".
أما الطفل سليمان التعبان فقد أخفى فرحه بخروجه من المشفى لقضاء عيد الفطر مع أسرته ملامح المرض من وجهه، غافلا أنه حتما سيعود للمشفى.
واندفع الطفل "ابن الخمسة أعوام يتمتم بسرور في حديثه مع "صفا"، قائلاً "سأخرج لنشتري للعيد، ويعيّدني بابا وماما وإخواني".
ويعبّر الطفل عن عدم رغبته في العودة للمشفى، بالقول "لا أحبها، لأنه لا يوجد فيها ألعاب، ولا أصحاب".
مسيطر عليها، ولكن..
المدير الطبي لمستشفى الأطفال التخصصي بغزة مصطفى العيلة قال: "إن حوالي 2200 طفل مريض بأمراض مزمنة بينهم 150 حالة مصابة بالسرطان يتلقون علاجهم في المستشفى"، مشيراً إلى أن أغلب هذه الحالات مسيطر عليها رغم وجود معيقات يسببها الحصار.
وأضاف العيلة "إن النهاية غير الحميدة لعدد من الحالات يسببها الحصار، حيث أن عددا من الأطفال يحتاجون في المراحل الأولى إلى خدمات غير متوفرة بسبب الحصار وعدم القدرة على توفير إمكانيات متطورة للعلاج نتيجة الإغلاقات".
وأشار إلى أن إجراءات التحويل للخارج تستغرق وقتاً طويلاً على حساب حياة المرضى، واصفاً العلاج الكيماوي بأنه شر لا بد منه في ظل هذه الظروف.
ولفت الطبيب إلى أن المستشفى تحاول أن توفر أجواءاً ترفيهية للأطفال داخله، للتخفيف عنهم ونسيانهم لمعاناتهم مع المرض، مشيراً إلى تزيين جداريات المستشفى باللوحات والرسومات التي تشد الأطفال، إضافة إلى وجود غرفة من الألعاب داخل المستشفى ووجود مختصين للتعامل مع الأطفال وذويهم".
وأفاد أن المستشفى تفتح الباب أمام كافة المؤسسات لزيارة الأطفال وتقديم الهدايا والألعاب في كافة المناسبات".
