لم يكن يعلم محمد صالح (18 عاماً) الذي كان يمازح والده طوال فترة اختبارات الثانوية العامة التي انتهت أواخر يونيو الماضي بأنه لم يبلِ حسناً في الاختبارات؛ أن أحلامه التي كان يبنيها ستذهب أدراج اتصال هاتفي لا أدراج الرياح.
يروي محمد قصته بعد أن تسلم شهادة دراسة الثانوية العامة، حيث التقى بأحد أسرة المسجد المجاور لمنزله في بلدة جباليا شمال قطاع غزة وأخبره بأنه حظيً بمنحة تركية للسفر والدراسة على نفقة "الكتلة الإسلامية" مع طلابٍ آخرين مجاورين له في الحي، وعليه أن يقرر قبولها في غضون يومٍ واحد فقط.
وكان محمد وهو الأخ الثالث لأشقاء متفوقين سبقوه خلال الأعوام الماضية، قد حصل على معدلٍ 91.6 بالمائة في امتحانات الثانوية العامة لهذا العام.
يقول محمد إنه أبلغ أمين المسجد موافقته على قبول المنحة، وسارع في اليوم التالي بإرسال جواز سفره إلى مديرية الجوازات برام الله عبر البريد لتجديد جوازه ويكسب الوقت على حد قوله، حيث أخبره الأمين أنه يتوجب عليه إتمام تقديم أوراقه الثبوتية ليتسنى له السفر والالتحاق بالمنحة.
وخلال فترة تجديد جواز السفر، ناقش محمد مع والده والذي يعمل موظفاً سابقاً في السلطة الفلسطينية بمدينة غزة رغبته بالدراسة في تركيا، خاصةً أنه لم يسبق له السفر خارج قطاع غزة طوال 19 عاماً قضاها في القطاع.
ويضيف محمد مستاءً إنه يحلم في السفر لاكتشاف العالم من حوله قائلاً: "لقد وعيت على الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى وحرب لازال دخانها ينفث من تحت الأنقاض، لذلك أبحث عن التجديد والتغيير". مضيفاُ أنه يريد تنمية ذاته وتطوير تفكيره من خلال السفر واكتشاف المزيد.
ولم يلبث والد محمد أن ناقش تفاصيل السفر ومتطلباته مع معارفه وأصدقائه التجار الذين كانوا حتى عهدٍ قريب يسافرون إلى تركيا بهدف التجارة وأطلعوه على كثير من تفاصيل الحياة والمعيشة في تلك الدولة.
ويضيف والد محمد أنه (محمد) رسم خطةً كاملةً لدراسته والمصروف الشخصي الذي سيحتاجه للإنفاق على نفسه كما بحث في الإنترنت عن موقع الجامعة وفروع الهندسة التي سيدرسها والمسكن الشبابي الذي سيقطن فيه، بالإضافة إلى المجالات التي يمكن أن يعمل بها في قطاع غزة فور الانتهاء من دراسته هناك.
لكن فرحة محمد كانت كغيمة صيف سرعان ما تبددت بعد أن تلقى والد محمد اتصالاً من أحد المسئولين المتنفذين بالضفة الغربية يحذره من قبول نجله محمد للمنحة الدراسية التركية لأنها جاءت عن طريق "حماس" على حد قول المتصل.
حماس×فتح
ويضيف والد محمد "اتصل بي أحد المسئولين من رام الله - رافضاً الكشف عن هويته- أبلغني أنه لا يتوجب على ولدي محمد قبول تلك المنحة وإلا سأنضم إلى قائمة المطالبين بإعادة رواتبهم الحكومية بعد انقطاعها جراء أخطاء ارتكبوها".
وكان مجموعة من الموظفين الحكوميين في الضفة الغربية وقطاع غزة ناشدوا مجلس الوزراء واللجنة الأمنية في رام الله بالتدخل لإعادة رواتبهم التي قطعت لأسباب أمنية أو تقارير كيدية.
ويخشى والد محمد على أسرته المكونة من أربعة أبناء وبنت من انقطاع راتبه، حيث يقول:"أخشى أن يحاك ضدي تقرير أمني في حال قبول ولدي محمد لتلك المنحة، رغم أنني كنت أشد منه فرحاً عندما أبلغني بأمر المنحة الدراسية، إلا أن لي أربعة أبناء آخرون لن أضحي بهم وأجلس أضرب أخماساً بأسداس".
ويُحمِل محمد ما حصل له من "انتكاسة" على حد وصفه، إلى الانقسام السياسي الحاصل بين حركتي "فتح" و"حماس" وتأثير النزاع على كافة الأصعدة بما فيها قطاع التعليم، متسائلاً: "لماذا أكون ومستقبلي التعليمي ضحيتان لنزاع سياسي أستبعد أن يصل إلى أفق نهائي".
ورغم صعوبة دراسة الهندسة فإن محمد بادر بالتسجيل في إحدى الجامعات المحلية في غزة لكنه لم يسدد ثمن الرسوم الدراسية البالغة نحو 700 دولار أمريكي علَه يحصل على المنحة بطريقةٍ أو بأخرى يجهل كيفيتها.
لعنة الراتب!
وحول مدى تدخل الانقسام الحاصل بين قطاع غزة والضفة الغربية وتأثيرها على قطاع التعليم، أكد وكيل وزارة التربية والتعليم بالحكومة الفلسطينية بغزة يوسف إبراهيم أن هناك حالات مماثلة من أولياء أمور يعملون موظفين حكوميين طلبوا استفساراً من الوزارة حول أي "خطورة" قد تلحق بهم إذا كانت المنح الدراسية الخارجية عن طريق "الحكومة" بغزة.
وقال إبراهيم في تصريحٍ لوكالة "صـفا" إن هناك أولياء أمور رفضوا إلحاق أبنائهم بأي منحة دراسية خشيةً من أن يؤثر ذلك على رواتبهم التي يتقاضونها من الحُكومة الفلسطينية في رام الله، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة لآلاف العائلات الغزية وصعوبة الحصول على عمل بديل".
ودعا وكيل الوزارة إلى تحييد الجامعات والمنح الدراسية وكافة قطاعات التعليم عن التجاذبات السياسية التي أعقبت حالة الانقسام، مشيراً إلى أن المتضرر الأول من هذه التجاذبات هم الطلبة أنفسهم.
وأوضح أن وزارته تجري اتصالاتٍ مع وزارة التربية والتعليم في رام الله للوصول إلى تنسيق يُحيد طلبة الثانوية العامة والجامعات عن أي تأثيراتٍ سياسية تعطل الحركة التعليمية، لافتاً إلى أن القضية تعني طلبة الوطن كافة بكلتا الوزارتين.
ويشعر كثير من طلبة الثانوية العامة بالحسرة إزاء عدم تمكنهم من الالتحاق بجامعات الخارج،والاستفادة من المنح الجامعية التي تقدمها العديد من الدول المختلفة للطلبة الفلسطينيين إما خوفاً من المرور بقصة مشابهة لمحمد أو الإغلاق المستمر لمعبر رفح وضياع الفرصة أمام العشرات من الطلبة.
