كم هي مليئة صفحات التاريخ الفلسطيني بنماذج البطولة والفداء بين الرجال الذين افنوا سني عمرهم في الدفاع عن حياض أمتهم ودينهم والدفاع عن وطنهم ومقدساتهم أمام عدو لا يرحم فمنهم من قضى شهيدًا أو أسيرًا أو جريحًا ومنهم من ينتظر.
وعلاوة على ذلك نجد نماذج نسائية أخرى تقف إلى جانب هؤلاء الرجال لتكمل حكاية الصمود والبطولة والتحدي والصبر الذي جعلهن في المقدمة.
اعتقال تلو الآخر
هناك بالقرب من مقبرة الشهداء بجوار جبل جرزيم الشاهد على صمود مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وتحت أشعة الشمس اللاهبة تجلس زوجة الأسير سائد ياسين "أم عمر" في حديقة منزلها بعد أن سقت ورود الدار لغياب صاحب البيت عن بيته عنوةً وقصراً بسبب سجن زوجها في سجون الاحتلال.
تتحدث أم عمر لمركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان بشوق وحنين عن زوجها الذي ما إن خرج من أسره إلاّ ويعاد اعتقاله لدرجة أنها باتت تنظر إلى النجوم لتتذكر معالم وجه زوجها الأسير، وتثبته في ذاكرتها التي امتلأت بتواريخ اعتقال أبو عمر وشذى.
وتتابع "منذ اليوم الأول لارتباطي بسائد أدركت أن الطريق طويلة وأن الدرب صعب وأن الأشواك قبل الورود ستكون في جنبات الطريق"، فهي تعلم حينما تقدَّم لها سائد أن الاحتلال له بالمرصاد فهو لا يستطيع أن يخرج من نابلس لزيارة بيت أباها ومع ذلك وافقت على الارتباط به.
ومنذ ذلك التاريخ قبل 4 أعوام وأم عمر تتنقل خلف زوجها من سجن لآخر وتنتظر كل أربعة أو ستة أشهر خبر تمديد اعتقاله الإداري صابرة محتسبة تربي ولديها شذى وعمر وتزرع في نفوسهم معاني الحب والوفاء.
بفارغ الصبر ننتظر عودتهم
بهذه الكلمات عبرت أم محمد معطان زوجة الأسير عبد الباسط معطان المعتقل في سجن النقب حينما سألها مركز "أحرار" عن زوجها الذي سجل باعتقاله الأخير عشر اعتقالات وأمضى ما يزيد عن عشر سنوات في سجون الاحتلال أمضاها بين أقبية التحقيق ومراكز التوقيف وبوسطات النقل.
وتابعت وهي تحمل بين جنبيها ولدها الوحيد محمد الذي لم يكمل عامه الثاني، "في كل يوم يوجد مناسبة توجب وجوده ومن دونه لا يكون لهذه المناسبة أي طعم أو خصوصية".
وتضيف "من يوم زواجي قبل ثمانية أعوام لم أمض مع زوجي إلاَّ رمضان واحد، ففي كل رمضان يكون عبد الباسط في السجن وكذلك الأعياد فالاحتلال لم يدع له فرصة للراحة".
نعد الساعات والأيام
إخلاص صويص زوجة الأسير عباس السيد تقول: "صحيح أننا صابرات محتسبات ولكن لا يعني هذا أننا لا نحتاج إليهم، فغياب الزوج يترك فراغاً كبيراً، كما أن تربية الأبناء بحاجة لتظافر جهود الأب والأم معًا ولكن وفاءً منا لنبل ما أسروا من أجله يجعلنا نتحمل ونصبر ونصابر".
وفي كل يوم ومع كل صباح تقول صويص :"أواجه من مودة وعبد الله بذات السؤال هل أبي سيخرج قريباً ولا أجد ما أقوله إلاّ كلمة "إن شاء الله" عبد الله الصغير لا يفهم معنى الكلمة ويقول لماذا لا يريد الله أن يخرج أبي أليس والدي يصلي؟ أمسح وجنتيه وأضمه وأقول له ومن أجل ذلك أُسر أباك".
وتتابع أم عبد الله الذي يواجه زوجها حكمًا بالمؤبد مدى الحياه 47 مرة " لم أعد أجد ما أصّبر به أولادي سوى المزيد من الوعودات بالمزيد من الهدايا والرحلات".
نموذج في الصبر والفداء
"هكذا تربينا وها نحن نموذج في الصبر والفداء" بهذه الكلمات أجابت نعمة بدران "أم عماد" زوجة الأسير حسام بدران المحكوم 19 عاماً حينما سُألت عن سر صمودها وتحملها غياب زوجها قالت: "لم أدرس الشريعة من باب الترف ولم أعمل في وزارة شؤون الأسرى من باب الحاجة".
وتضيف "اكتسبت من دراستي الكثير وتعلمت معاني الصبر ودوماً أنا أقارن تضحيتي مع تضحية نساء غزة الصابرات الواحدة منهن تودع زوجها وولديها شهداء وتتبعهم بزغرودة وتطلب منهم الشفاعة، هذه بلاد احتلت وعلينا أن نقدم الغالي والنفيس من أجل تحريرها وها نحن قدمنا أزواجنا في سبيل الله".
نماذج مشرفة
ويؤكد مدير مركز أحرار فؤاد الخفش أن المرأة الفلسطينية بصبرها وثباتها ضربت أروع وأجمل الصور في الصمود والنضال، وأن خلف كل قصة مناضل فلسطيني وفي الظل ومن دون أن يكون بادي للعيان توجد امرأة قد تكون الزوجة أو الأخت أو الأم".
ويضيف "قصص البطولة التي أبدتها المرأة الفلسطينية في كل الميادين وبالذات ميدان الأسر كثيرة وكبيرة، فكثير من النساء اعتقل زوجها ليلة الزواج أو بعد الزواج بأيام وهي برضاها ومن دون ضغوط آثرت الصمود وعدم التخلي وبقيت تنتظر زوجها"
ويشير الخفش إلى أن هناك من نساء فلسطين من قبلت أن ترتبط بشاب أسير خلف القضبان في دلالة على نضوج المرأة الفلسطينية والفتاة الفلسطينية وإكبارهن للنضال الفلسطيني والمضحين من أجل الوطن.
