كان الفلسطيني رزق حمتو في العشرينات من عمره عندما اندلعت حرب الأيام الستة (نكسة 1967)، التي احتلت الدولة العبرية خلالها ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية بعد هزيمة الجيش المصري والأردني والسوري وجيش الشقيري قبل 42 عاما على وجه التحديد.
في ذلك الوقت حارب حمتو، الذي كان يعمل في بلدية غزة كبرى بلديات القطاع الساحلي ضمن صفوف جيش التحرير الفلسطيني (جيش الشقيري) وخاض معارك دامية على جبهة المنطار شرق مدينة غزة التي دمرت معظم بنيتها التحتية خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
يسترجع حمتو (68 عاماً) أحداث تلك الفترة قائلاً: "لم نتوقع الهزيمة مطلقاً ... سحق الجيش الإسرائيلي كان أمنيتنا لكن الخونة ضيعوا الأرض وسلموا رقابنا لليهود".
يضيف بنبرة غاضبة: "قبل الحرب بأيام وردت إلينا أنباء في معسكرنا بالكتيبة (موقع عسكري لجيش الشقيري قرب جامعة الأزهر حالياً) أن خمسة ضباط من المخابرات المصرية تسللوا من خلال جيب عسكري من سيناء إلى (إسرائيل) ومعهم خرائط مواقع الجيش المصري ومعلومات عن المطارات".
وروى حمتو ذكريات تلك الحرب خلال لقاء جرى في فناء منزله الواقع بحي الشجاعية أحد ضواحي مدينة غزة بينما كان عدد من أحفاده يلعبون في الفناء المزروع بالأشجار بينها نخلة شاهقة الارتفاع زرعها حمتو خلال عام النكسة.
وأجبر حمتو على الالتحاق بجيش الشقيري في العام 1966 كجندي في فصيل المشاة مقابل راتب محدود، لكنه التحق بدورة هندسية جعلته ينضم إلى وحدة الهندسة بهذا الجيش الذي تفكك بعد انتهاء تلك الحرب.
وذاكرة حمتو تحمل الكثير عن تلك الحرب التي أوجدت واقعا جديدا من الحكم العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة على مدى العقود الأربعة الماضية.
وقال الجندي حمتو الذي خدم في الجيش مع وزير العدل الأسبق ناهض منير الريس: " لم يكن أحد يعتقد أن هذا هو ما سيحدث".
وسبق الحرب ثلاثة أسابيع من التوتر المتصاعد.
وفي أيار/مايو عام 1967، رد الرئيس عبد الناصر، على الغارات الإسرائيلية، بطرد قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والمكلفة بتأمين ومراقبة وقف إطلاق النار لعام 1956من شبه جزيرة سيناء، ثم حشد القوات المصرية وأغلق خليج العقبة أمام (إسرائيل).
كان الفلسطينيون -عسكريون ومدنيون- معنوياتهم عالية قبل اندلاع الحرب بحسب حمتو وآخرون عاشوا تلك الحرب.
قالت غالية منصور من مخيم رفح: "الجميع كان بانتظار النصر وتحرير الأرض المسلوبة".
لكن المدرس المتقاعد إبراهيم الهرش من قلقيلية قال: "ما حصل في عام 1967 أكثر من نكسة. كان انهيار حلم طالما راودنا باستعادة حقوقنا التي فقدناها عام 1948".
وقال الهرش الذي اغتيل في مدينته أربعة مقاومين بنيران الأجهزة الأمنية الموالية للرئيس محمود عباس الأسبوع الماضي: "كان الناس متوهمين بالقدرات العربية، ثم فجأة إذا بالحديث يدور عن الانسحاب إلى خط الدفاع الثاني والثالث، فكان في هذا قضاء على الحلم وايذان بقدوم أيام حالكة".
وفي الاثنين الموافق الخامس من حزيران/يونيو 1967، شنت (إسرائيل) ضربة جوية وقائية على القواعد الجوية المصرية.
وهنا يتذكر حمتو كيف كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تحلق من فوقه في السماء في اليوم السابق للحرب وكيف أن نشوب تلك الحرب كان الحلم الذي من خلاله سيعيش في أرضه بأمن وأمان.
وفي اليوم الخامس للحرب، تقدمت القوات البرية الإسرائيلية باتجاه غزة من البحر والشرق وخاضت معارك دامية مع جيش التحرير الفلسطيني والجيش المصري.
ويعتقد حمتو أن مئات الجنود الإسرائيليين قتلوا خلال تلك الحرب على أرض غزة التي سقطت بيد (إسرائيل).
وقاطع أحد أحفاد حمتو حديث جده قائلاً: "جيشكم (جيش الشقيري) والجيوش العربية ضيعوا أرض فلسطين لكن نحن سنمضي في طريق المقاومة حتى تحرير هذه الأرض".
و"النكسة"، المصطلح الذي أطلقه العرب على تلك الحرب، تسببت في فقدان الجندي حمتو 400 دونم زراعي شرق مدينة غزة بعد إقامة السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي الفلسطينية التي احتلتها (إسرائيل) عام 1948.
وحتى ما تبقى من تلك الأرض داسته جنازير الدبابات الإسرائيلية خلال سنوات انتفاضة الأقصى في مرات عدة لكن المسن حمتو الذي لديه ستة أبناء وثلاثون حفيداً لا يزال يزرع تلك الأرض كلما اقتلعت مزروعاتها".
