لم تكن الأمطار التي هطلت خلال المنخفض الجوي الذي ضرب قطاع غزة مجرد بداية لموسم الشتاء، بل اختبار قاسٍ لعائلات نازحة وجدت نفسها محاصرة داخل خيام لا تصمد أمام الرياح والأمطار، بعدما غمرت المياه أرضياتها وبللت الأغطية والفرش، تاركة الأطفال والنساء أمام ليلة طويلة بلا مكان يأوون إليه.
ومع دخول أولى المنخفضات الجوية، عادت معاناة النازحين إلى الواجهة، في ظل استمرار إقامتهم داخل خيام مهترئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية من البرد والأمطار، وسط مخاوف من أن تكون هذه الظروف مجرد بداية لشتاء أشد قسوة.
ويصف أبو حسني عيادة (55 عامًا)، أحد النازحين في القطاع، الليلة الماضية بأنها من أصعب الليالي التي مرت عليه وأسرته، رغم أنها جاءت مع أولى موجات المطر، وقبل دخول فصل الشتاء فعليًا.
ويقول عيادة لوكالة "صفا"، إن الرياح كانت تضرب قماش الخيمة بعنف، وكأنها تحاول اقتلاعها من مكانها، قبل أن تتسرب المياه فجأة من أسفل الشادر ومن سقف الخيمة، لتغمر الأرضية بالكامل وتبلل الفرش والأغطية.
ويضيف "لم نجد أي مكان جاف نجلس فيه"، موضحًا أن أفراد أسرته حاولوا الاستعداد للمنخفض مسبقًا، من خلال تثبيت الشوادر وإغلاق الخيمة قدر الإمكان، لكن شدة الأمطار والرياح أفشلت تلك المحاولات، وأطاحت بالأخشاب التي كانت تسند المأوى.
ويتساءل بحسرة عن المكان الذي يمكن أن تلجأ إليه عائلته، وأين سينام الأطفال في ظل غرق الخيمة وعدم وجود مأوى بديل، مشددًا على أن العائلات لم تعد تملك القدرة على تحمل مزيد من هذه الظروف.
ويحذر عيادة من أن الشتاء لا يزال في بدايته، فيما يعيش النازحون داخل خيام لا توفر لهم الحماية اللازمة، مناشدًا الجهات والمؤسسات الإنسانية عدم نسيان العائلات المقيمة في مراكز النزوح، والعمل على إيصال مستلزمات الإيواء قبل وصول منخفضات جوية جديدة قد تكون أشد تأثيرًا.
محاولات مكلفة لم تصمد
أما سماح ديب (34 عامًا)، فتصف المنخفض بأنه بمثابة "بروفة" لما ينتظر سكان الخيام خلال فصل الشتاء، بعدما اكتشفت أن كل الاستعدادات التي بذلتها أسرتها لم تكن كافية لمواجهة قوة الرياح وغزارة الأمطار.
وتقول ديب لوكالة "صفا"، إن الأسرة جهزت الخيمة مسبقًا وثبتت الشوادر والأخشاب، وأنفقت نحو ألف شيكل على شراء الأخشاب والشوادر والمسامير، أملًا في حماية أفرادها من الأمطار، لكن المنخفض الجوي اقتلع الأخشاب وأدخل المياه إلى الخيمة.
وتوضح أن مياه الأمطار تدفقت من مدخل الخيمة، فيما تحول الشارع داخل المخيم إلى ما يشبه النهر الجاري، قبل أن تتجمع المياه فوق الشادر، وتعجز الأسرة عن تصريفها، ما أدى إلى ميلان الخيمة وانكسارها وغرق محتوياتها.
وتروي ديب كيف اضطرت الأسرة إلى "تمزيق إحدى الفرشات واستخدام قطعها لامتصاص المياه، إذ أخذ كل فرد قطعة منها وبدأ بجمع المياه وعصرها داخل الدلو"، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتضيف أن جميع الفرش والأغطية أصبحت مبللة، ولا تتوفر أشعة الشمس الكافية لتجفيفها، ما ضاعف معاناة الأسرة وتركها أمام ظروف معيشية بالغة الصعوبة.
وتناشد ديب المؤسسات الدولية والإنسانية التدخل لتوفير مأوى مناسب للعائلات النازحة، مطالبة بإدخال الكرفانات التي يمكن أن توفر حماية أفضل من الأمطار والرياح خلال فصل الشتاء.
وفي وقت سابق أمس، قال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن المنخفض الجوي الأخير تسبب في غرق نحو 70 ألف خيمة، إلى جانب مراكز إيواء بأكملها، ما فاقم معاناة النازحين.
ودعا بصل المواطنين إلى الاستعداد للمنخفضات المحتملة، مطالبًا المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتقديم الإغاثة والخدمات اللازمة لمنع تكرار هذه المعاناة.
وفي السياق، أعلنت بلدية غزة، أن لجنة الطوارئ تعاملت يومي 6 و7 نوفمبر مع 251 بلاغًا و84 استغاثة جراء المنخفض، الذي شهد هطول نحو 60 ملم من الأمطار، بما يعادل 15% من المعدل السنوي.
