منذ قصف منزله في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، يعيش إسماعيل أبو لبدة (38 عامًا) مع إصابات غيّرت حياته، بعدما فقد ابنتيه بغارة استهدفت منزله يوم 29 أكتوبر 2023، وأصيب بكسور معقدة بساقيه وفخذيه، مع التهاب مزمن في نخاع العظم وإصابات في الأعصاب أثرت على قدرته على المشي.
لم تتوقف معاناة إسماعيل عند فقدان ابنتيه والإصابات التي لحقت به، إذ بات بحاجة لزراعة عظام وعلاج تخصصي لا تتوفر إمكاناته بغزة.
يقول أبو لبدة لوكالة "صفا" إنه حصل على تحويلة طبية جددها مرارًا، لكن فرصة سفره بقيت معلقة عند إجراءات العبور والرفض الإسرائيلي.
ويعرب عن خشيته من أن استمرار تأخير سفره قد يفقده قدمه، ليقول بحسرة: "حرام أخسر قدمي بعد بنتين ومنزلي في الحرب وبقية عيلتي في العريش".
ولا تختلف معاناة إبراهيم موسى (22 عامًا) كثيرًا؛ فمنذ إصابته بشظايا صاروخ بمارس 2025، أثناء تعبئته للمياه، وهو ينتظر استكمال علاجه خارج القطاع.
الشظايا أصابت أجزاء متفرقة من جسده، خاصة في قدميه، وألحقت أضرارًا بالأعصاب والأوتار والعظام.
إبراهيم يقول لوكالة "صفا" إنه خضع لعمليات جراحية بغزة، لكنه لا يزال بحاجة لعلاج وتأهيل غير متوفرين في مستشفيات القطاع.
ويشير إلى إنه حصل على تحويلة طبية، واستعدت أسرته أكثر من مرة للسفر، قبل أن يُلغى سفره.
هكذا بقي إبراهيم ينتظر فرصة لاستكمال علاجه، فيما لا تملك أسرته سوى متابعة إجراءات السفر وانتظار موافقة تتيح له الخروج.
معاناة بالغة
ولا تقتصر معاناة المرضى على الذين ينتظرون المغادرة، إذ قد تتحول رحلة العودة بعد العلاج إلى تجربة أخرى من الخوف والاحتجاز.
ففي 20 أكتوبر الماضي، اعتقلت قوات الاحتلال المسنة آمال غازي محمد الريفي (60 عامًا)، وابنتها ياسمين رفعت الريفي (33 عامًا)، أثناء عودتهما لغزة عبر معبر رفح، بعد رحلة علاج بمصر بدأت في فبراير 2025.
وتعاني آمال من السرطان في الثدي والرئتين، وكانت ابنتها ترافقها خلال رحلة العلاج. وأفاد مركز الميزان لحقوق الإنسان بأنهما نُقلتا إلى سجن عسقلان، وعُرضتا على محكمة بئر السبع التي قررت تمديد اعتقالهما حتى 3 ديسمبر 2026 مع منع زيارتهما من المحامي.
وبدلًا من أن تنتهي رحلة العلاج بعودة المسنة إلى عائلتها واستكمال رعايتها الصحية، وجدت نفسها رهن الاعتقال برفقة ابنتها التي لازمتها خلال رحلة المرض والعلاج.
هذه الحكايات نماذج من واقع آلاف المرضى في غزة الذين ينتظرون فرصة للعلاج خارجه، بعدما تضررت المنظومة الصحية ونقصت الأدوية والمستلزمات الطبية والتخصصات العلاجية.
أرقام غير مسبوقة
وأعلنت وزارة الصحة بغزة أن نحو 21 ألف مريض بحاجة إلى الإجلاء الطبي، بينهم 5,600 طفل و2,800 مريض أورام وسرطان، إضافة إلى 194 حالة حرجة تحتاج إلى إجلاء عاجل ونحو ألفي حالة طارئة.
وتقول الوزارة إن 2,027 مريضًا توفوا أثناء انتظار الإجلاء الطبي منذ إغلاق المعبر في مايو 2024.
وتظهر أرقام حركة السفر حجم الفجوة بين الاحتياج والعبور الفعلي. فبحسب تقرير هيئة المعابر والحدود لشهر سبتمبر المنصرم، فُتح معبر رفح أمام المسافرين 10 أيام فقط، وأُغلق 20 يومًا، وغادر القطاع 1,197 شخصًا، بينهم 485 مريضًا و547 مرافقًا، إضافة إلى 165 شخصًا ضمن عمليات الإجلاء.
وبين الفينة والأخرى، تعيد سلطات الاحتلال مرضى ومرافقين للقطاع بعد إغلاق المعبر أو تأجيل سفرهم.
رحلة الموافقات
ولا تعني الموافقة على التحويلة الطبية أن المريض بات قادرًا على السفر؛ إذ تتطلب عملية الإجلاء استكمال إجراءات تحديد الأولوية وترتيبات النقل والحصول على موافقات العبور.
ويحتاج مسار رفح إلى موافقات مصرية وإسرائيلية، بينما يتطلب مسار كرم أبو سالم موافقة الدولة المستضيفة والاحتلال الإسرائيلي.
وتؤدي الإغلاقات المتكررة وتقليص أعداد المسافرين وتأجيل الرحلات إلى إبقاء المرضى في دائرة الانتظار، فيما تتراجع فرص العلاج مع استمرار نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتضرر المستشفيات في القطاع.
وبين إسماعيل الذي يخشى فقدان قدمه، وإبراهيم الذي ينتظر استكمال علاج إصاباته، وآمال التي اعتُقلت بعد رحلة علاج، تتجسد أزمة معبر رفح في حكايات أشخاص ينتظرون حقًا أساسيًا في العلاج والحياة.
وخلف كل اسم أسرة تترقب اتصالًا يحدد موعد السفر، وطفل يحتاج إلى علاج لا يتوفر بمشافي القطاع، ومريض يخشى أن يتحول التأخير إلى عجز دائم أو خطر على حياته.
أما معبر رفح، الذي يفترض أن يكون طريقًا للعلاج والعودة، فما زالت حركته المحدودة وإجراءاته وقيوده تجعل الوصول إليه أو العبور منه حلما، فيما يستمر المرضى بانتظار فرصة قد لا تحتمل أوضاعهم الصحية تأجيلها.
