القدس المحتلة - خاص صفا
لا تمثل المنازل بالنسبة لعائلة الجهالين، التي تقطن تجمع بئر المسكوب شرقي القدس المحتلة، مجرد جدران وأسقف، بل تختزل سنوات طويلة من الحياة والذكريات، وتشكّل مأوى ارتبطت به أجيال متعاقبة، تتمسك بالبقاء فيه رغم ما تتعرض له من تضييق وتهديدات ومحاولات للتهجير القسري.
وتعيش العائلة معاناة يومية في ظل استمرار اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه وتهديداتهم، التي تستهدف وجودها واستقرارها في منازل تقطنها منذ نحو ثلاثة عقود، إذ يعود بناء بعضها إلى عامي 1995 و1996.
و"بئر المسكوب" هو تجمع بدوي فلسطيني يقع بالقرب من بلدة العيزرية شرقي القدس، ويواجه، كغيره من التجمعات البدوية في بادية القدس ومحيط منطقة الخان الأحمر، هجمة إسرائيلية استيطانية متصاعدة وعمليات هدم، تهدف إلى التضييق على سكانه وتهجيرهم قسرًا، والاستيلاء على أراضيهم.
وتندرج هذه الممارسات ضمن مخططات إسرائيلية تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وفرض واقع استيطاني جديد يعزز السيطرة الإسرائيلية على محيط القدس.
وبحسب بيان مشترك صادر عن المنظمات الحقوقية الإسرائيلية "السلام الآن"، "عير عميم" و"بمكوم" يوم الخميس، فإن سلطات الاحتلال هدمت، الثلاثاء، نحو نصف مباني تجمع بئر المسكوب الفلسطيني، الواقع ضمن المنطقة المخصصة لمخطط المشروع الاستيطاني "E1" شرقي القدس.
وحذرت المنظمات من انتقال "إسرائيل" من التخطيط إلى تنفيذ المشروع الاستيطاني، وما له من تداعيات على الفلسطينيين.
وأوضحت أن هذه أول عمليات هدم معروفة تستهدف تجمعات بدوية داخل المنطقة منذ استئناف الدفع بالمخططات الاستيطانية مؤخرًا، في مؤشر على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ على الأرض.
اعتداءات وهدم
ممثل التجمع داود الجهالين يتحدث لوكالة "صفا" عن واقع تجمع بئر المسكوب، والاعتداءات المتواصلة التي يتعرض لها سكانه من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، ومحاولات التضييق عليهم وتهجيرهم قسرًا.
ويوضح أن التجمع يضم منازل قائمة منذ عامي 1995 و1996، أي منذ نحو 30 عامًا، مشيرًا إلى أنه يقيم فيه برفقة عائلته وشقيقه وأبنائه، وأن السكان تعرضوا خلال السنوات الماضية لعدة إخطارات وعمليات هدم.
ويضيف أن العائلات كانت تضطر إلى مغادرة التجمع خلال فصل الصيف برفقة مواشيها، والعودة إليه في فصل الشتاء، مع إبقاء المنازل والبركسات قائمة، لافتًا إلى أن التجمع تعرض لعمليات هدم وإخطارات خلال عامي 2008 و2014.
وفي عام 2018، حصل الجهالين على أمر احترازي من محكمة الاحتلال، يقضي بمنع هدم المنشآت القائمة في التجمع، استمر الوضع على هذا النحو حتى السابع من أيار/ مايو 2024، حين فوجئ السكان باقتحام المستوطنين التجمع والاستيلاء عليه، أثناء وجودهم برفقة مواشيهم في منطقة رام الله.
ويشير إلى أن السكان عادوا إلى التجمع، واضطروا إلى دفع 10 آلاف شيكل للمحامي، وبعد بقاء المستوطنين داخله لمدة ثلاثة أيام، تمكنوا من انتزاع قرار من المحكمة يقضي بإخراجهم.
وبيّن أن المستوطنين ألحقوا أضرارًا بالمنازل، وقطعوا أجزاءً من أساساتها، ما اضطر السكان إلى إعادة بنائها وترميمها وتأهيلها.
وتواصلت الاعتداءات بعد ذلك، لتشمل محاولات سرقة الأغنام وتخريب مصادر المياه المخصصة للمواشي، ويوضح الجهالين أن التجمع يعتمد على بئر مياه يُقدّر مخزونه بنحو 100 كوب، ويبعد قرابة 40 مترًا عن المنازل.
ويلفت إلى أن البئر تعرض لاقتحامات متكررة من المستوطنين، وسط مخاوف من وضع مواد سامة في مياهه بهدف تسميم المواشي، موضحًا أن التجمع يعتمد أيضًا على مصدر مياه آخر توفره شركة "ميكروت"، إلا أن الشركة حضرت قبل نحو أسبوعين برفقة المستوطنين و"الإدارة المدنية الإسرائيلية"، وقطعت خط المياه المغذي للتجمع.
تهجير قسري
وفي تفاصيل عملية الهدم الأخيرة، يقول الجهالين إن السكان فوجئوا، صباح الثلاثاء الماضي، عند الساعة التاسعة، باقتحام قوات معززة من جيش الاحتلال وطواقم الإدارة المدنية الإسرائيلية للتجمع، برفقة جرافة، لهدم أربع منشآت.
ويشير إلى أنه ذكّر قوات الاحتلال بوجود قرار قضائي يمنع الهدم، إلا أن الجنود منعوا أفراد العائلات من إخراج مقتنياتهم من المنازل، بما فيها الأموال والمصوغات الذهبية والأوراق الثبوتية.
ويضيف أن القوات استعانت بعمال لإيهام السكان بأنها تسمح لهم بإخراج أغراضهم، لكنها لم تسمح سوى بنقل بعض المقتنيات البسيطة، مثل المراوح وشاشات التلفاز، فيما بقيت غرف النوم ومحتوياتها، وخزائن المطابخ، والأثاث، والملابس، والمواد التموينية داخل المنازل، قبل أن تُهدم بالكامل.
ويبيّن أن عملية الهدم طالت المنازل بمحتوياتها، بما فيها دورات المياه والمطابخ وخزانات المياه، كما سلّمت قوات الاحتلال إخطارات هدم جديدة لخمس منشآت أخرى في التجمع.
مخطط استيطاني
ويقع تجمع بئر المسكوب في قلب المخطط الاستيطاني المعروف باسم "E1"، الذي يستهدف إقامة نحو 3 آلاف وحدة استيطانية، كما يؤكد الجهالين، الذي يعتبر عملية الهدم الأخيرة قد تكون بداية لتهيئة المنطقة لتنفيذ المخطط على الأرض.
وبهذا الصدد، يقول إن عملية الهدم تشير إلى بدء خطوات فعلية على الأرض لتنفيذ مخطط" E1"، بما يشمل شق ما وصفه بـ"شريان الحياة"، إلى جانب الإجراءات المرتبطة بتهيئة المنطقة لإقامة المشروع الاستيطاني.
ولم يُخفِ الجهالين مخاوفه من تنفيذ عمليات هدم واسعة ومماثلة خلال الفترة المقبلة، لا تقتصر على تجمع بئر المسكوب، بل تمتد إلى التجمعات البدوية المجاورة أيضًا، مشيرًا إلى وجود أكثر من 12 تجمعًا بدويًا في المنطقة، تقيم فيها عائلات فلسطينية منذ عشرات السنين.
ويؤكد الجهالين أن المخطط يستهدف الوجود الفلسطيني في المنطقة، مشددًا على أن سلطات الاحتلال تحاول استغلال المرحلة الحالية والفراغ السياسي لفرض مزيد من الوقائع على الأرض في محيط القدس ومناطق أخرى.
وبحسب المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، جدّدت السلطات الإسرائيلية أوامر الهدم الصادرة عام 2008 بحق جميع المباني المتبقية في التجمع، ما يُهدد بإزالته بالكامل.
وقالت إن هدم نحو نصف مباني تجمع بئر المسكوب، وتجديد أوامر الهدم بحق المباني المتبقية، يشكلان بداية مسعى لمحو تجمع فلسطيني بأكمله.
وأضافت أن مخطط "E1" لا يقتصر على إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، بل يشمل أيضًا اقتلاع تجمعات فلسطينية من منازلها وأراضيها لإفساح المجال أمام إقامة مستوطنة جديدة، محذرة من أن ما بدأ في بئر المسكوب قد يمتد إلى تجمعات أخرى يعيش فيها مئات الفلسطينيين.





ر ش
